السجل المدنى بنجع حمادى رحلة معاناة

السجل المدنى بنجع حمادى رحلة معاناة
كتب -

نجع حمادى- نورهان دسوقي، شيماء شوقي:

يلجأ جميع المواطنين، على اختلاف أعمارهم وفئاتهم الاجتماعية، إلي مكتب السجل المدني لاستخراج أوراقهم الرسمية مثل شهادات الميلاد والبطاقات الشخصية وسجلات القيد العائلي وغيرها، ولم تكن هذه المرة الأولي في ذهابي إلي السجل، حينما اُضطررت للذهاب برفقة صديقة تود استخراج شهادة ميلاد “كمبيوتر”، فكانت فرصة جيدة للتعرف على أحوال مكتب السجل المدني، والمترددين عليه، لكن الرحلة انتهت بأمنية ألا أعود ثانية، نظرا لما شاهدته من طوابير وازدحام، وتراكم لأكوام القمامة، فضلا عن ضيق المكتب، وموقعه النائي، وصعوبة الوصول إليه، وغيرها من المشكلات.

استيقظت مبكرا، لمعرفتي السابقة أن سرعة إنهاء الإجراءات داخل هذا المكان، تعتم على أسبقية الوصول إليه، وكانت أولي الصعوبات هي الوصول إلي مقر المكتب، الذي يقع في شارع ضيق على مدخل المدينة الجنوبي؛ منطقة للعمارات السكنية، هادئة تماما، إلا من “الكتبة” الذين تزايد عددهم مؤخرا، حيث يصطفون على جانبي الشارع، يعرضون كتابة الاستمارات المختلفة، مقابل 5 جنيهات، وينادون علينا “تملي استمارة يا أبلة”، ثم تستقبلك أكوام القمامة المتراكمة أمام مدخل السجل، فضلا عن البرك التي تمتلئ بمياه الصرف الصحي، الذي يتحول بسببه الممر المؤدي إلي المكتب، في بعض الأحيان، إلي بركة كبيرة، في وسطها صف من “قوالب الطوب” يضعها المترددين على المكان، ليتمكنوا من الدخول.

هذا الممر الذي لا يتجاوز طوله أربعة إلي خمسة أمتار، وعرضه حوالي مترين أو أقل، يضم غرفة لاستخراج “الفيش” وفي مواجهتها نافذة عالية، هي وحدة التجنيد بنجع حمادي، التي يأتيها جميع شباب المدينة، بدءا من عمر 17 عاما، وحتي 30 وربما أيضا تجدهم يحتشدون في هذه المساحة الضيقة، مخلفين ورائهم طابورا يمتد إلي منتصف الشارع، مما يعيق دخول المارة، ولاسيما الفتيات الذاهبات بمفردهن إلي السجل.

ما إن تتخطى كل ما سبق، حتى تصطدم بالطوابير والزحام أمام النوافذ، وتتعالى الأصوات والضوضاء لتعم أرجاء المكان، الضيق كذلك، بما لا يتسع لأعداد الوافدين عليه يوميا، عندها تكون الفوضى وعناء الانتظار سيدا الموقف.

“التوهان” أبرز ما يمكن أن تلمسه علي وجوه المواطنين المترددين على السجل المدني،  فكل من يدخل المكان لا يغيب عنه سؤال “هي فين أماكن الشهادات؟ ” أو “أجيب استمارة البطاقة منين؟” ، وفي ظل هذه المشاهد، لا يغيب مشهد الواسطة، حيث تجد مواطنا ينادي على موظف، فيقدمه على من قبله، لأنه قريبه أو “معرفة”، أو يدخل أحدهم بصحبة أمين شرطة فينهي له ما يريد من إجراءات في لمح البصر.

لازلنا لم نتمكن من الالتحاق بالطابور “الرجالي” الطويل، ولا عزاء للسيدات، حيث أنهن مخيرات، إما أن يأتين بصحبة رجل، ليتمكن من قضاء مصالحهن، وإما أن يأتين بمفردهن، مثلي وصديقتي، فيضطرون للمزاحمة في الطابور، أو انتظار “شهامة” أحد الواقفين ليفسح لهن مجالا، تلك الشهامة التي يبدو أنها تناقصت عند رجال الصعيد، بعد أن كانت إحدى أهم ما يميزهم.

مشادة كلامية، حدثت بين موظف ومواطن، يتضرر فيها من طول الانتظار، بينما تسمع من مكان آخر من الطابور الممتد عبارات تدل على سخط البعض، وتأخرهم على أعمالهم أو قضاء مصالحهم الأخرى، فيما ردد أحد الخارجين من المكتب تعبر عن استياءه من طول الانتظار “يقطع النجاح على الشهادات”، فيما قال آخر كان يدخل إلي المكتب، ساخرا مما يحدث، أو ربما تخفيفا عن نفسه مما يراه “والله زمان يا سجل”.

لا توجد مقاعد للانتظار، فتري المواطنين ينتشرون في أرجاء المكان، يستندون إلي الجدران، أو يجلسون على درجات السلم، ويفترش واحد أو اثنان، ركنا من أركان المكان، فيما يخشي أحد الواقفين، ضياع مكانه في الطابور، فأبي أن يتركه، متحملا عناء الوقوف والانتظار؛ تجولنا قليلا، على أمل أن تخف حدة الازدحام في الطوابير، بغرض استكشاف حال بقية الغرف، فمرننا على غرفة التصوير، الخاصة باستخراج البطاقات الشخصية، التي تقل فيها الإضاءة قليلا عن باقي المكان، نظرا لضيق الغرفة، والنافذة المفتوحة داخلها، فضلا عن تكدس المواطنين داخلها، واحتلالهم المساحة المؤدية إليها، في فوضي وصخب شديدين.

وبعد أن فقدنا الأمل في الوصول إلي نهاية الطابور، لاستخراج شهادة الميلاد، وبعد أن تسلل إلينا الشعور بالتعب والإرهاق، فضلا عن الملل والضجر جراء الازدحام طول الانتظار، اضطررنا إلي الرحيل، بعد أن أهدرنا قرابة ساعتين دون أي فائدة تذكر، وبعدما أدركنا أن مشكلات السجل المدني، يجب أن تحل، للتيسير على المئات المتوافدة يوميا، التي لا يستدعي استخراجها ورقة رسمية، إهدار كل هذا الوقت، أو الاضطرار إلي خوض هذه المغامرة.