“ينضم البعض للأحزاب والبعض الآخر يرفض عضوية الأحزاب ولكن ليس الجميع يعرف عن مفهوم ونظريات الأحزاب السياسية”، هذه العبارة أقرب للصحة في ظل ظواهر ضعف الأحزاب السياسية والسيولة التى تشير لعدم ترسيخ الالتزام الحزبي وسهولة تنقل الأفراد بين الأحزاب وافتقادها لمعاني الانتماء الحزبي، كل ذلك وغيرها من أعراض لأزمة الأحزاب فى مصر استدعى كتابة هذا المقال والمقال الآخر الذي سينشر لاحقا، وذلك لمزيد من المعرفة العلمية وإرساء الفهم السليم للأحزاب السياسية وإعادة الاعتبار لدورها في الانتقال الديمقراطى والاستقرار غير المفروض وتشجيع المواطنين والمواطنات للانضمام للأحزاب السياسية وتدعيم النظم التنافسية.
تشير تجارب نشأة الأحزاب السياسية فى الديمقراطيات المستقرة بأنها قد تكونت بالأساس لأداء أدوار محددة مثل وضع برامج وإقرار تشريعات ومراقبة الحكومة وحل الصراعات السياسية، وقليلا منها تعمل على إعادة صياغة المجتمع بصورة جذرية وشاملة، بمعنى أن الأحزاب السياسية كانت نتيجة أكثر منها سببا للديمقراطية، ومع التطور السياسى فى هذه الدول صارت وظيفتها مقتصرة على تجنيد القيادات التشريعية والتنفيذية التى تختارها هيئة الناخبين لإدارة الحكم طبقا لبرنامج معين وخلال مدة زمنية محددة دستوريا، أذن التجربة التاريخية للأحزاب تتلخص فى كونها ظهرت فى إطار واقع قائم وارتضت العمل من خلاله وفى إطاره.
ومن ناحية أخرى تشير التجربة الحزبية فى دول العالم الثالث (الجنوب) ومنها مصر إلى أن الأحزاب السياسية تعمل وفق مفاهيم مدى القدرة على توظيف أدوات الحشد والتأييد الشعبى، وضرورة التغلل المجتمعى والعمل مع أبناء المجتمعات المحلية من عصبيات قبلية أو عائلية ومكونات دينية، وكذلك دور الحزب الحاكم أو حزب الرئيس (أو الأحزاب التى تتحالف مع السلطة التنفيذية فى النظام الرئاسى أو النظم المختلطة) فى ضرب المعارضة والنيل منها وإعاقة الديمقراطية بمعنى عدم المساواة وإشراكالجميع فى صنع السياسات العامة وإتخاذ القرارات، وتنطبق على هذه المجموعات من أحزاب دول الجنوب فى نشأتها نظريات الأزمة التاريخية، أى الارتباط بوجود مشاكل وأزمات كفترات التحول والتغيير وبالتالى العمل على تحقيق مهام محددة فى إطار عمليات إحداث التغيير،وكذلك الارتباط بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسعى إلى تنظيم وتعبئة المواطنين خلف النظام القائم وربما قيد التشكل أو العكس.
وفى ضوء كلا من المدخل البنائى الوظيفى ومدخل خدمة المصلحة السياسية يمكن تحديد وظائف الحزب السياسىبأنها تتمثل فى: التجنيد السياسى، والتنشئة السياسية، والمشاركة السياسية، والتكامل القومى، تجميع المصالح، صنع السياسات، إضفاء الشرعية أو نزعها.
بينما محددات فاعلية الأحزاب تتمثل أولا فى؛ علاقة النظام السياسى بالأحزاب وتتفاوت ما بين القمع، التعبئة، القبول المقيد بدور وتنظيم الأحزاب مع وضع العراقيل أماممشاركتها فى العملية السياسية ودون تمكينها من الوصول إلى السلطة، القبول التام وذلك فى حالة الديمقراطيات المستقرة. ثانيا؛ إن نظم الحزب الواحد أو المسيطر فشلت أن تكون قوة دمج مجتمعى حيث تجعل النظام يعتمد على سياسات رمزية لا تمثل انجازات واقعية أو جذرية بينماالنظم الحزب التنافسية تجعل السلطة السياسية تتجه إلى التفاوض والتوافق وإرضاء المواطنين وتحرص على مبدأ التوازن الدستورى. ثالثا؛ إن الأحزاب أكثر فاعلية من مؤسسات البيروقراطية المدنية في كسب التأييد الشعبى لصالح سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، من هنا فإن المساس بالنظام الحزبي التنافسي يمثل تهديد للشرعية.