أثبتت الثورات وتعثرها فيما بعد فى دول الربيع العربى ومنها مصر أنه ينبغى تحقيق مشاركة كافة الفئات الاجتماعية، وتصويب العلاقة بين السلطة السياسية والمواطنين فى الدولة، بمعنى الوصول للحوكمة وأن يكون المواطنين متحررين من الخوف والعوز، ذلك هو سبيل تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

قد نص الدستور المصري الصادر في عام 2014 في الباب الثانى منه بعنوان “المقومات الأساسية للمجتمع” عبر ثلاثة فصول تتمثل فى “المقومات الاجتماعية” و”المقومات الاقتصادية” و”المقومات الثقافية”، وأورد عبر المواد من المادة (7) وحتى المادة (50) على حزمة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن المواد أرقام (68) و(78) و(177) و(218) و(236) التى يمكن اعتبارها بأنها ترتبط بفئة الحقوق هذه.

فقد حدد الدستور فى الفصل الثانى “المقومات الاقتصادية” هدف النظام الاقتصادى فى تحقيق الرخاء فى البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية فى ظل الحوكمة ومراعاة النمو المتوزان الجغرافى والقطاعى والبيئى. واعترف بالملكية التعاونية إلى جانب الملكية العامة والملكية الخاصة، مع مراعاة الدولة للتعاونيات ودعمها وضمان استقلاليتها. وحدد هدف النظام الضريبى والرسوم والمتحصلات السيادية الأخرى فى تنمية موارد الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحفيز التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. ونص الدستور فى مواضع لاحقة على الحق فى السكن والتمتع بالنيل والبيئة الصحية السليمة والثقافة.

كما ترتبط المادة (68) الخاصة بشفافية المعلومات بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما ارتباطها بالحقوق والحريات العامة، وتنص على أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للمواطنين، والإفصاح عنها والحصول عليها حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وفق ما ينظمه القانون من قواعد وضوابط الحصول عليها وسريتها وحفظها.

كما ذكرت المادة (177)، فى الفرع الثالث فرع “الإدارة المحلية” من فصل “السلطة التنفيذية” فى الباب الخامس “نظام الحكم”، أن تكفل الدولة توفير ما تحتاجه الوحدات والمجتمعات المحلية من تطوير ومعاونة علمية، ولوجستية، وإدارية، ومالية، مع ضمان التوزيع العادل للمرافق، والخدمات، والموارد، والعمل على تقريب مستويات التنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين هذه الوحدات، طبقًا لما ينظمه قانون الإدارة المحلية. وفى نفس الباب تضمن الفرع الثانى “الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية” من الفصل الحادى عشر المادة (218) والتى تنص على التزام الدولة بمكافحة الفساد وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، فى إطار تنسيق الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة فيما بينها، مع وضع ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية.

أما المادة (236) فى باب الأحكام العامة والانتقالية فقد ألزمت الدولة بالربط بين التخطيط العمرانى والتنمية الاقتصادية مع الأخذ فى الاعتبار أبعاد وتنوع المكونات الثقافية والبيئية للمجتمعات المحلية، وذلك من خلال؛ وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة فى الصعيد وسيناء ومطروح والنوبة، وأولوية استفادة أهالى هذه المناطق من عوائد ومشروعات التنمية.

بعد هذا الاستعراض يمكن إيجاز الملاحظات التالية:

إن الدستور المصرى فى عمومه قد اهتدى إلى حد بعيد بالمواثيق والإعلانات والعهود والإتفاقيات الدولية، خاصة تلك الواردة فى العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة فى عام 1966.

إذا كان الدستور المصرى فى عمومه لم يغفل أيًا من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل وأشار إليها جميعاً على نحو واضح ومحدد وخصص لها باباً مستقلاً، إلا أنه مواده جميعها وبلا استثناء لم تتوان عن وضع القيود عليها، وذلك بالذكر فى نهاية المواد الدستورية المتضمنة لها بعبارة تفيد بأن ذلك وفقا للقانون. فمثلاً يعترف الدستور بحق “الإضراب السلمى”، غير أنه يتبع ذلك بأن يكون “ينظمه القانون”، وفى بعضها قد قيد بعض هذه الحقوق بقدرات وإمكانات البلاد والنظام العام وهى عبارات تمس جوهر الحق أو الحرية. الأمر الذى قد يؤثر على إفراغ هذا الحق من مضمونه بدرجة أو بأخرى.

أفرد الدستور فى خمسة مواد ذكر العدالة الاجتماعية ولكن بمعانى مختلفة، ففى المادة (8) ذكر التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية كصورة للتضامن الاجتماعى، وفى المادة (27) اعتبرها هدفا لتحقيق الرخاء الاقتصادى، بينما عدها فى المادة (38) من ضمن أهداف السياسة الضريبية والمتحصلات العامة، بينما فى المادة (78) اصبحت كفالة شروط المسكن المناسب أساس للكرامة الإنسانية ومطلب للعدالة الاجتماعية، أما فى المادة (177) فقد اقترنت العدالة الاجتماعية بالتنمية فى ضوء ما تكفله الدولة للوحدات المحلية من دعم وموارد،  والرؤية غير الواضحة تلك تنعكس سلبا على صياغة برامج وسياسات للعدالة الاجتماعية فى مصر.

إن قطاعات التعليم والصحة والبحث العلمى صارت لها استحقاقات دستورية بمخصصات مالية لا تقل عن نسب محددة إلا أن المشكلة ليس فقط فى ما قد يثور من وجهات نظر تتحفظ على هذا التخصيص النسبى، وإنما كذلك أن استيفاء الحقوق الدستورية أو التحقيق الفعال للاستحاقاقات الدستورية التى تتعلق بزيادة الإنفاق، مما يتطلب تعديل فى منطومة إدارة وتوزيع الإنفاق العام وهو ما لا يمكن تحققه إلا بوجود منظومة جديدة لإعداد ومتابعة تنفيذ والرقابة على الموازنة العامة للدولة.

إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى ارتباطها بمستويات حياة المواطنين لا بد من أن يقترن تحقيقها بتحسين الخدمات العامة ومكافحة الفساد وإعلاء النزاهة والشفافية والمساءلة، وحددت المادة (218) استراتيجية الدور الرقابى فى ذلك إلا هناك تباطؤ نحو تفعيل هذا الغرض.