الحقيقة في معرفة الماضي هي معرفة التاريخ، لكن كيف نعرف أن ماضينا حقيقي لو كان التاريخ مزيف، الواقع يقول إن كتابة التاريخ كانت من حقوق بعض الأشخاص عن باقي البشر، أدركوا قيمة التاريخ الفعلية وامتثلوا لمقولة أن كاتب التاريخ هو المنتصر، لذلك كانت مهمة كتابة التاريخ تتم في قصور مشيدة علي يد ممتثل لأوامر الملوك، قد يكون ما يكتبه غير صحيح، ولكن لا يجرؤ أحد من العامة التحدث، ومع رحيل جيل الصمت يظهر جيل مصدق لما كتب لأنه لم يعاصره، وتغدو حقيقة مصدقة لا شك بها.

يتصارع ملك مع آخر أو حزب وحزب ثاني لتبدأ حرب التاريخ، فيطعن هذا ويشنع الآخر به والأمثلة كثيرة، أدولف هتلر قاتل وسفاح عظيم، ومن يحاول الدفاع عنه يلاقي عنصرية لا تقل عن عنصرية هتلر، لعنه التاريخ في كل كتاب، ولكن لم يلعنه التاريخ بل من كتبوا التاريخ، الحقيقة أن إنجلترا المنتصرة هي من كتبت تاريخ هتلر الدموي، ولكن تاريخ تشرشل رئيس حكومة المملكة المتحدة في عصر الحرب لا يقل عن بشاعة أدولف هتلر، ذلك الرجل الذي قتل ملايين الهنود والأفارقة، ونهب خيرات المستعمرات الإنجليزية، ولا ننسى مصر بينهم، ولكن التاريخ وضعه في مكانة الأبطال الفاتحين والمثال الذي يجب الظهور مثله.

الأمثلة كثيرة في عالمنا، فماذا لو أخبرتك أن العباسيين كانوا مسلمين، ولكن لم يفعلوا من قيم الإسلام قيد أنملة، بداية من أبو مسلم، السفاح خليفتهم الأول، والذي تتبع الأمويين بالقتل ونبش القبور وحنث الوعود وشرب الخمر، وكذلك أبو جعفر المنصور، أعظم خليفة من وجهة نظرهم، لنكتشف أن كل ما نعرفه عنه ناقص، ولا نملك الصورة كاملة، ولا نعرف عنهم سوى عظمتهم المنشودة وفتوحاتهم.

وإذا تحدثنا عن المؤرخين فيجب أن نعلم أن الكثير منهم كانوا يملكون النزعة القومية، فقد يكتب التاريخ، ولكن يميل لقومه أو وطنه، لا يحاول إظهار ما بطل من العمل على قومه أو حاكمه، فكيف لك أن تعرف أن المؤرخ العظيم، المقريزي، قد كتب عن التاريخ الإسلامي، وتحدث عن عصر صلاح الدين الأيوبي، وأخفى بعض ما ارتكب صلاح الدين، فأخفى أنه المتسبب بمقتل الخليفة العاضد بالله، آخر حاكم فاطمي، وتتبع الشيعة بالتنكيل وقطع الأرزاق، وترك للصليبين حصن صور بالشام، ليكون فاتحة لحملات جديدة.

هذا لا ينتقص من قدر الأيوبي، ولكن لماذا لا نملك صورة كاملة عن كافة الأحداث؟! لماذا نملك صورة ناقصة؟!

من لم يبحث في التاريخ ويكتفي بما يتلقى في رأسه، فهو لا يعلم شيء عن التاريخ، من لم يبحث فهو جاهل.

وهنا يبقي السؤال، لصالح من يبقي التعتيم على التاريخ الحقيقي، والتضليل من أجل أشخاص أفناهم الله منذ قرون؟