“ولاد البلد” في مسقط رأس مُعلم “عباس العقاد”في ذكرى وفاته الخمسون

“ولاد البلد” في مسقط رأس مُعلم “عباس العقاد”في ذكرى وفاته الخمسون
كتب -

:دشنا ـ أنس عبد القادر

“استفدت في مرحلة التعليم الابتدائي من أستاذين اثنين على اختلاف بينهما في طريقة الإفادة فإن أحدهما أفادني وهو قاصد والآخر أفادني على غير قصد منه فحمدت العاقبة في الحالتين ’ كان أحدهما الأستاذ الفاضل مدرس اللغة العربية والتاريخ الشيخ فخر الدين” بهذه الكلمات اثنى عباس العقاد على الشيخ الدشناوي الذي غاب عن ذاكرة الكثيرين من ابناء المدينة، ولم يكن أمام “دشنا اليوم” إلا ان تنفض الغبار عنه وتضعه بين أيديكم.

كتب عباس محمود العقاد المولود بأسوان سنة 1889والذي يعتبر أحد أهم الكتاب والمفكرين في مصر والعالم العربي، صاحب المائة كتاب في الكثير من العلوم والآداب والسير،عن الأسباب التي جعلته كاتباً وأرجع هذا إلى أستاذه الذي كان يدرس له مادة الإنشاء في أسوان وهو الشيخ فخر الدين الدشناوي.

وذكر  العقاد في كتابه (أنا) الذي  ألفه سنة 1946 واستطرد فيه عدة مواضع من الكتاب ننقلها كما هي : ” كانت المفاضلة بين شيئين هي المحور الغالب على موضوعات الإنشاء أيامي بمدرسة أسوان الابتدائية أيهما أفضل العلم والمال ؟ وكان لنا أستاذ فاضل هو ((الشيخ  فخرالدين محمد الدشناوى يحمد هذا الإختيار على أن يكون من قبيل مرانه القلم ويعرض كراساتي على كبار الزوار بين ماكان يعرضه من كراسات التلاميذ فلما زارنا الأستاذ الشيخ محمد عبده ذات شتاء أراه الكراسة فتصفحها باسماً وناقشني في بعض مفاضلاتها ثم التفت إلى الأستاذ وقال مأذكره بحروفه ” ماأجدر أن يكون كاتباً بعد ” .

ثم يعود العقاد يذكر الشيخ الدشناوى في الفصل الثاني من كتابه وهو بعنوان ( أساتذتي) : “استفدت في مرحلة التعليم الابتدائي من أستاذين اثنين على اختلاف بينهما في طريقة الإفادة فإن أحدهما أفادني وهو قاصد والآخر أفادني على غير قصد منه فحمدت العاقبة في الحالتين ’ كان أحدهما الأستاذ الفاضل مدرس اللغة العربية والتاريخ الشيخ فخر الدين , وكان الإنشاء صيغاً محفوظة في ذلك الحين كخطب المنابر وكتب الدواوين ولكنه كان يبغض الصيغ المحفوظة وينحى بالسخرية والتقريع على التلميذ الذي يعتمد عليها ويمنح أحسن الدرجات لصاحب الموضوع المبتكر وأقل الدرجات لصاحب الموضوع المقتبس من نماذج الكتب وإن كان هذا أبلغ من ذاك وأفضل منه في لفظه ومعناه , وكان درسه في التاريخ درساً في الوطنية فعرفنا تاريخ مصر ونحن أحوج مانكون إلى شعور الغيرة على الوطن والاعتزاز بتاريخه لأن سلطان الاحتلال قد بلغ يومئذ مداه ” .

ويعود الكاتب الكبير لذكر الشيخ الدشناوى في الفصل الثالث ( أشياء جعلتني كاتباً ) : ” كان أستاذنا في اللغة العربية والتاريخ ( الشيخ فخر الدين محمد الدشناوى ) يعرض كراساتي التي أكتب فيها موضوعاتي في الإنشاء على كبار الزوار لمدرسة أسوان وكان كبار الزوار لهذه المدرسة أكثر عدداً وأعظم شأناً من كبار الزوار لمدارس القطر كله لأن أسوان كانت قبلة العظماء والكبراء من جميع الأرجاء في موسم الشتاء ” .هكذا تحدث العقاد بكل احترام وحب وعرفان عن هذا الرجل العظيم , وتكلم وهاجم أستاذاً آخر في نفس الكتاب وتكلم عنه كذلك في مجلة الهلال عدد مارس 1947 ولم يذكر اسمه في مقال بعنوان ( عرفت نفسي ) قال فيه : ” وكنت في السنة الرابعة الابتدائية مغرماً بمسائل الرياضة العقلية …. ’ وكان لنا أستاذ من ( الدقة القديمة) يملى علينا المسائل من كراسة محفوظة يعيدها سنة بعد سنة ومعها حلولها …. وأعضلت علينا مسألة وقضينا فيها الحصة كلها دون جدوى ونظرنا إليه ليحلها بعد أن أعيانا علاجها … , فتبسم وقال إنما أردت امتحانكم بهذه التجربة فليست هذه المسألة مما يحل بالحساب لأنها تشتمل على مجهولين , ولم أنم تلك الليلة إلا عند مطلع الفجر بعد أن حللت المسألة , ….وترقبت الثناء والتهنئة من الأستاذ والزملاء ولكن الأستاذ قد تجهم لي وحاول تعجيزي وتغليظي وكان كل ماقاله بعد أن وضح الحل الذي لاشك فيه : شاطر ياخى ماالفائدة من تضييع وقتك ووقت إخوانك في مسألة لن تأتى هي ومثيلاتها في الامتحان ….وكنت يومئذ في الثانية عشرة ولكنني لاأذكربعد ذلك حادثاً من جسام الحوادث كان له شأن في استخفافي بثناء الناس كشأن تلك المسألة الصغيرة ” . هكذا قارن العقاد بين الشيخ فخرالدين الدشناوى الذي شجعه وعلمه الوطنية وكان منفتحاً واسع الأفق على عكس ذلك الأستاذ الآخر الذي وصفه بالدقة القديمة.

وتوجهت عدسة “دشنا اليوم” إلى مسقط رأس الشيخ وسألنا بعض أقاربه بجوار مسجده في منطقة نجع الخولى بدشنا، حيث قال كمال سليمان – موجه لغة عربية على المعاش وأحد أقارب الشيخ ـ إن الشيخ فخر الدين محمد سليمان أبوريد  كان يعمل في وزارة المعارف حتى وصل لدرجة كبير مفتشين بالوزارة بعد عمله كمعلم في أسوان وأقام بالقاهرة، وله اثنين من الأبناء هما عبد الصمد فخرالدين وكان يعمل طبيباً ولم يتزوج وكان من بين الطلبة الذين قاموا بالمظاهرات ضد الإنجليز وأصيب في حادث كوبري عباس الشهير.

وتابع: أما الابن الآخر هو عبد العظيم وكان يعمل صيدلياً في شركة أدوية كبيرة بالقاهرة، وتعلم في بريطانيا وتزوج ولم ينجب وكان يزور دشنا وله عمارة تقع بالقرب من مسجد فخر الدين, وكان الشيخ فخر الدين يحتفظ بتلك الكراسة التي كتب فيها العقاد كلامه في هذا الكتاب.

أما عن المسجد المسمى بأسمه، قال صديق محمد صديق – مدير مدرسة بالمعاش- إن الشيخ فخر الدين بنى هذا المسجد وجدده ابنه عبدالعظيم سنة 1974 وافتتح سنة 1975، لافتا أنه كان يقابل عبدالعظيم لأنه كان يزور دشنا وله عمارة مازالت قائمة في نفس المنطقة التي يقع فيها المسجد.

ويقودنا هذا الموضوع عن تلك الشخصية العظيمة من أبناء دشنا، عن توثيق التاريخ لها وغيرها من الشخصيات التي لايعرف الكثير منا عنها شيئاً . كما يدعونا أن نهتم بالتعليم والمعلم والتلميذ وتكون العلاقة بينهما علاقة وثيقة فربما يكون من بين التلاميذ موهوب يحتاج للرعاية والتشجيع