Rotating Banner


كان على أبي أن يشتري أولا “قاروصة” سجائر قبل أن نذهب إلى فرح أو مناسبة في قريتنا الصغيرة، كان السؤال الأول “ليه السجائر بالتحديد؟”.

كنت أجلس في مناسبات العائلة لأشاهد صف طويل من أفراد العائلة يحمل كل واحد منهم علب السجائر ويمرون على الضيوف ليمنحوهم سيجارة كنوع من الترحيب بهم، حتى في الجنائز كانت علب السجائر هي المشهد الأساسي بين الحضور، حتى لو لم تكن مدخن، عليك حملها وتحيي من يحضر.
بعد ذلك وجدت لتلك العلبة البيضاء ذات الخطوط الذهبية التي تسمي “كليوباترا” أدوارًا عدة في مجتمعي الصغير، فكانت هي أحد أدوات الضيق والحزن عند بعض أصدقائي عندما تتركه حبيبته أو “يعكنن” مزاجه والده بكلمتين، فنجده يدخن وعندما تسأله بتعمل ايه؟ يجيب “أهي حاجة بنفخ  فيها همي “ليست السيجارة صديقاً فقط بل ذهبت إلى أبعد من ذلك،  فكانت الحب المشترك بين الطلبة الذين يقفون علي أبواب سلم التدخين،  فكانت الشلة تستطيع بربع جنيه أن تشتري ثلاثة سجائر “فلت” تضيف على القعدة بهجة وسعادة، كان الطلبة يشترون السجائر “الفلت” حتى موعد الأعياد والمناسبات،  فيقرروا شراء علبة مرة واحدة وتغيير النوع إلي منتج أجنبي.

كيف تحولت إلى عنصر أساسي في الأفراح حيث يحيك بها صاحب الفرح، وكيف أصبحت عملة في الجنائز، وتحولت إلى صديق في لحظات التوتر والسفر، وتسعيرة للخدمات داخل السجون والمصالح الحكومية وبداية ضرب حوار وعلاقة مع غريب تبدأ بفتح العلبة وإخراج سيجارة له.

في البحث عن تلك الشعبية الجارفة لسيجارة “كليوباترا” وجدت أمامي سيجارة لها أبعاد سياسية وخلفية جعلتها السيجارة الشعبية الأولى في مصر، ليس السعر مطلقا أو الاسم من جعلوها سيجارة المناسبات المصرية، ولكن ظروف عديدة.

فالحكاية تبدأ من عند الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، حين كان يفتتح معرض السوق المصري السوري ، أيام الوحدة عام 1961، وكان هناك جناحا للتبغ المصري وصناعة السجائر والدخان، كان في استقبال عبد الناصر، “ماتوسيان”، أحد رواد صناعة السجائر ورئيس الغرفة التجارية في ذلك الوقت، ومعه كمال قطبة عضو الغرفة،  وأخذوا عبد الناصر في جولة ليشاهد المنتجات المصرية من التبغ، ووزع “ماتوسيان” على عبد الناصر والوفد المرافق له السجائر والسيجار، وكان منتج ماتوسيان الأهم هي سيجارة “بلمونت” ولكن أخذ عبد الناصر السجائر ووضعها جانبا وأخرج من جيبه علبة سجائر “كنت” وأشعل واحدة.. شعر عبد الناصر بالحرج من الموقف، فنظر إلى ماتوسيان وكمال وقال لهم: “شوفوا كده يا جدعان، لو عملتوا سيجارة محلية زي “كنت ” هاكون أول وأكبر زبون عندكم”.

التقط “ما توسيان” طرف الحوار وقال لناصر “طلباتك أوامر”.

في اليوم التالي قابل ما توسيان، كمال قطبه، وقال له: “احنا وعدنا الرئيس نعمله سيجارة زي الكنت” وطلب منه ان يشتري من السوق السوداء ثلاث خراطيش “كنت” لتحليلها ومعرفة مكوناتها.

كان حديث عبد الناصر وإرادة ما توسيان وراء اختراع “كليوباترا” ولكن كيف استطاعت احتلال السوق والسيطرة على قلوب ورئة المصريين.

كان طلب الرئيس عبد الناصر بداية جديدة لماتوسيان، حين استطاع إنتاج سيجارة قريبة من سيجارة “كنت” وبقي فقط أن يبحث لها عن اسم.

في هذا التوقيت كان الحديث عن الفيلم الأمريكي “كليوباترا ” والذي حقق نجاحا عظيما وكان حديث العالم بسبب تكلفة انتاجه التي تخطت ال 20 مليون جنيه. وجد “ماتوسيان” في الفيلم ضالته وقرر إطلاق أسم كليوباترا على سجائره الجديدة والاستفادة من الدعاية والشهرة الكبيرة التي حققها الفيلم.

انتهى الرجل من اختراعه، بقى له أن يعرف رأي الرئيس عبد الناصر بها، تم إعداد لفافة أنيقة من الورق المذهب، وضعت بها أربع خراطيش كليوباترا مع رسالة من “ماتوسيان” حملت إلى عبدالناصر وتسلمها عبدالمجيد فريد.
انتظر ماتوسيان أكثر من شهر حتى يعلم النتيجة، ولكن لم تصله أي أخبار.
تم دعوة ماتوسيان وكمال قطبة إلى حفل زفاف ابنه أحد اللواءات من أصدقاء الرئيس، وكان من المؤكد حضور عبد الناصر، قرر ماتوسيان وقطبة مراقبة الرئيس في الصف الأول ومعرفة ماذا سيدخن؟

انتظروا لساعات حتى وصوله وجلسا قريبا منه لمعرفة هل مازال يدخن “كنت” أم أعجبته كليوباترا؟

أخرج عبدالناصر العلبة من جيبه ولكن لم تكن “كنت” ولم تكن “كليوباترا” وكانت نوعاً أمريكياً آخر هو “آل أند ام”
الغريب أن حتى رحيل ماتوسيتان ورحيل عبدالناصر لم يعرف أحد رأي الرئيس في السيجارة التي طالب باختراعها.
ولكن عرفت كليوباترا طريقها إلي رئة المصريين وتحولت إلى سيجارة الموظف والفقير والعاطل والصنايعي والمدخن الكييف والغنى، سلكت كليوباترا طريقها كعملة في تخليص المصالح وعبور الحواجز، وزرعت نفسها كسيجارة  صديقة للطلبة وعملة الطبطبة على المتزوج المهموم والعاشق المخدوع والعازب الذى ينتظر مرور بنت الجيران.

.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش هام

  • في البحث عن تاريخ صناعة سيجارة كليوباترا كانت المعلومات متناثرة وقليلة جدا وربما أصدقها ما نشرته مدونة باللغة الإنجليزية تصدر من كندا ومهتمة بشئون الشرق الأوسط، كانت تتحدث عن اختراع “كليوباترا”