ظلتْ الحركة الأدبية والثقافية الإبداعية في مصر مدينةً في كثير من تجلياتها وظواهرها لأقاليم مصر التي كانت معينا ورافدا لا ينضب يمد مصر المحروسة بنماذجَ فنيةً وإبداعية متميزة لم تلبثْ أن احتلت مكانتها ومنزلتها على الساحتين العربية والدولية.

ليس أدل على ذلك من استدعاء أسماء كأمل دنقل ومحمود حسن إسماعيل وسيد حجاب والأبنودي وبهاء طاهر ومحمد مستجاب وغيرِهم عشرات بل مئات ممن كانت نشأتهم الحقيقية في أقاليم مصر بعيدا عن القاهرة العاصمة التي اتخذوها فيما بعدُ منطلقا لهم ولإبداعاتهم، وحافظتْ تلك الأقاليم على رسالتها خلال الخمسين عاما الأخيرة لتمد خارطة الإبداع المصري والعربي، وتتوالى أسماء مثل درويش الأسيوطي وحسن طلب ومصطفى رجب وعزت الطيري وأحمد فضل شبلول ونصار عبد الله ومصطفى الضبع وجميل عبد الرحمن وعبد الستار سليم وآخرين يضيق بهم الحصر.

تلا ذلك جيلُ الشباب المعاصر والمتمثل في عبد الناصر علام، وأحمد أبو خنيجر، ومهدي مصباح، وفتحي عبد السميع، ومنى الشيمي وآخرين لا يمكن حصرهم بسهولة، حيث إن تلك الأسماء ليست للحصر بالطبع، ولا أعرف إلى أي مدى يمكن أن يختلف أو يتفق معي الكثيرون حول الخطر الذي بات قريبا جدا من حالة الفقر والجدب التي أصبحت تعاني منها أقاليم مصر المحروسة الآن، حيث إن النظرة المتأنية للمشهد الإبداعي والثقافي في تلك الأقاليم تكشف عن تدنٍ واضح في مستوى إبداعات الأجيال الصغيرة بل عن انصراف تلك الأجيال أصلا عن عملية الكتابة والإبداع بمعناهما الحقيقي لا الافتراضي.

ولا يغرننا أبدا عددُ الذين يزعمون أنهم متعاطو الأدب من تلك الآلاف المؤلفة من أعضاء أندية الأدب في الثقافة الجماهيرية، أو رواد النشاط الثقافي بمراكز الشباب أو مرتادي الجمعيات الأهلية والثقافية هنا أو هناك، فنحن نتحدث عن نماذجَ فارقةٍ ومدهشة ذاتِ بصمة خاصة هي التي تكاد أن تختفي تماما كظاهرة، ولا يعني بزوغ شاعر هنا أو قاص هناك إلا تأكيدا للحالة الاستثنائية.

أعرف جيدا أن المناخ الثقافي قد تغير واختلف، وأفهم جيدا أن الوسائط الثقافية تجددت وتباينت، وربما أجد بعض العذر للأجيال الجديدة الشابة لكن ما لا أعرفه ولا أفهمه وما لا أجد له عذرا هو تلك الحالة المدهشة في تبلدها، والتي لا ترى في الأمر شيئا يستحق القلق فضلا عن الخطر..!

ويصر أصحاب تلك الحالة على أن مصر بخير في إبداعها ومبدعيها..! وأن مؤسساتنا الثقافية والتعليمية تبذل كل ما في وسعها من جهد، وأن عدد المبدعين في ازدياد وتألق..! وأن العيب في أبصارنا وأسماعنا وذائقتنا، وهم يشيرون بالطبع إلى عدد الكتب والمطبوعات الصادرة تارة، وإلى أعداد أندية الأدب وأعضائها شمالا وجنوبا تارة أخرى، ويطلبون منك في تحدٍ سافر وسافل أن تشاهد برنامج “صباح الخير يا مصر” أو تسمع برنامج “على الناصية” لتطمئن على حالة مصر الإبداعية، وهؤلاء يخلطون عن عمد واضح ومقصود بين الإبداع و”الدلع”، أو بين الكتابة الحقيقية و”التهريج”، وهم الذين يجنون من وراء (ليس في الإمكان أبدع مما هو كان وكائن) مكاسبَ عديدةً أقلها وجودهم كأساتذة ومُنظرين وتصدرهم المشهدَ بأنشطتهم الهزيلة وانتماءاتهم الضيقة وتلقيهم الدعوات لحضور الندوات والأمسيات والمؤتمرات ما داموا يرون الأمورَ بخير وعلى ما يرام، لكن التاريخَ ليس غافلا عما يصنعون وسيأتي اليوم الذي ينكشف فيه أولئك وهؤلاء معاً، لكن المحزنَ وقتها سيكون حجمَ الجُرم الذي تم ارتكابه في حق الأجيال التي صدَّقتْ وانساقت وراء الوهم.