الحانوتي.. مهنة ينفر منها الجميع ولا يستغني عنها أحد

الحانوتي.. مهنة ينفر منها الجميع ولا يستغني عنها أحد جبانة "السنابسة" بمركز الوقف - تصوير أحمد العنبري

مهنة ينفر منها الجميع، لدرجة أن البعض “يستعر منها”، لكن لا أحد يمكنه الاستغناء عنها، إنها مهنة حفار القبور أو “الحانوتي” التي لا تعد حرفة بقدر ما هي رسالة إنسانية لتكريم الإنسان، وابتغاء الأجر والثواب من الله، بحسب مهدي صلاح حسن، 47 عاما، أحد حفاري القبور بقنا.

لم يكن “مهدي” في بداية حياته حانوتي، إذ لعبت الصدفة دورا في أن يكون حفار قبور، فبعد وفاة والده، الذي كان حانوتي بالوراثة، لم يكن هناك حانوتي في القرية التي يقيم بها ليتم إجراءات دفنه، ولاحظ وقتها نفور الناس من هذه المهمة، فقرر أن يقوم هو بها، لتبدأ رحلته وسط المقابر.

«العمل في حفر القبور جميل جدا حيث يجعل الشخص دائمًا علي مقربة من الله عز وجل، وأهم شئ الأجر والثواب، وليس العائد المادي» يقول مهدي عن مهنته وسر تمسكه بها، رغم أن لديه حرفة بالفعل هي النجارة، التي بحسبه يعتمد عليها بنسبة كبيرة للإنفاق على أسرته.

جبانة "السنابسة" بمركز الوقف - تصوير أحمد العنبري
قبور الجبانة – تصوير أحمد العنبري

مهنة الحانوتي

ولعل السر في تمسكه بمهنة الحانوتي التي لا يرغب أحد بالعمل فيها، هو أنها “تجعل الإنسان قريبا من الله، وتحتاج إلي إيمان قوي لأننا نحمل أمانة من المولي عز وجل” مؤكدا أن الأجر الذي يتلقاه لحفر القبور لا يناسب تعبه، لكنه يفعل ذلك «ابتغاء الثواب من الله».

ويؤكد مهدي أنه كان يرفض في البداية أخذ مقابل نظير القيام بمراسم الدفن، لكن الأهالي كانوا يرفضون ويصرون على منحه الأجر بقولهم “لازم ندفع الدفنة والقبر علشان الحرمانية”.

ويؤكد أنه حين يتلقى خبر وفاة أحدهم ويطلبه أهله لحفر لقبر ودفنه، عادة ما يكون مشغولا في ورشة النجارة التي يعمل بها، لكنه يترك عمله على الفور لتلبية النداء الإنساني ويذهب إلى المقابر لإتمام رسالته، رغم أن هذا الوقت يؤثر على عمله الأساسي في النجارة لكن “ماقدرش اتأخر على تكريم الإنسان بدفنه”.

علاقة مهدي بالمقابر أصبحت وثيقة، فقد اعتاد الذهاب للمقابر كل يوم، حتي وإن لم يبلغه أحد بوجود موتي، مؤكدا “أتفقد المكان حتي ولو 5 دقائق، وأحفظ جميع القبور” التي قد يسأل عنها أصحابها لزيارة ذويهم.

جبانة "السنابسة" بمركز الوقف - تصوير أحمد العنبري
نبات الصبار المزروع بجوار القبور – تصوير أحمد العنبري

وحول كيفية العمل في القبور يؤكد مهدي أنه يساعده في حفر القبور 3 أشخاص آخرين، أحدهم يجهز الطوب اللبني الذي نغلق به “قامة القبر” من الداخل، وشخص ثان يساعده في حفر القبر وإخراج التراب وإنزال الميت إلي القبر، والثالث يجلب المياه لرشها علي القبر حتي تثبت الرمال ونغلق فتحة “قامة القبر” جيدا ونضمن عدم دخول الرمال إلي الميت.

قانون المقابر

ويؤكد “مهدي” أن المقابر تختلف عن عالم البشر، ففضلا عن الهدوء والسكينة بعيدا عن عالم الأحياء، لا يوجد هنا تملك بالمعنى المادي للامتلاك، معلقا “الجبانة ليست ملكا لأحد” متذكرا موقف حدث معه أثناء حفره أحد القبور، فجاء أحدهم لمعرفة صاحب القبر الذي يحفره، فأجابه قائلا “لصاحب نصيبه”، فرد السائل: كيف؟ فأجابه “لو القبر اتحفر لشخص معين ومات واحد تاني فسيدفن فيه، ولذلك أقول لصاحب نصيبه”.

أخيرا يطالب حفار القبور بتأمين على حياته وليس منحه راتب شهري، مضيفا “الآن لدى مهنة أصرف منها علي بيتي وأولادي، ودائما أحفر القبور، فلو قدر الله وانهار علي القبر أثناء حفري، فمن أين تعيش أسرتي؟”.

جبانة "السنابسة" بمركز الوقف - تصوير أحمد العنبري
جبانة “السنابسة” بمركز الوقف – تصوير أحمد العنبري
الوسوم