إن الصورة المنتشرة في الوقت الحاضر خاصة بين الشباب في الجامعات ما نسميه العلاقة السِّرِّيّةُ، هو العقد الذي يتولاه الطرفان دون أن يحضره شهود، ودون أن يُعلَنَ، صورة باطلة بإجماع فقهاء أهل السنة؛ حيث إنها تفتقد إلى موافقة الولي كما تفتقد إلى وجود الشهود العدول، لأن التوصية بالكِتْمان تَسلب الشهادة رُوحَها والقَصْدَ منها، وهو الإعلان الذي يَضمن ثبوت الحقوق ويُزيل الريبة، ويَفصل بين الحلال والحرام، وتفتقد أيضا إلى التوثيق الذي فرضه ولي الأمر وجعله لازما؛ وأمره مطاع ـ ما دام لم يعارض الشرع ـ كما أنها تفتقد إلى الجدية من كلا الطرفين في إقامة الأسرة وإرساء دعائمها، وهو زناً، ولا يسمى زواجا، ولا تترتب عليه آثار الزواج الشرعية، وفي الغالب ما تكون الفتاة هي الضحية لهذه العلاقة الغير شرعية فيتركها هذا الشاب المستهتر لتواجه المجتمع بمفردها ويمضي بعد أن قضي معها حاجته ويتركها للضياع .

الزواج العُرْفي:

أما الزواج العرفي فهو الزواج الذي لا يُكتب في الوثيقة الرسمية التي بيَد المأذون، وقد تصحبه توصيةُ الشهود بالكتمان؛ وبذلك يكون من زواج السِّرِّ الذي تكلمنا عنه، ورُبما لا تصحبه توصيةٌ بالكتمان، فيأخذ اسمه الخاص وهو الزواج العرفي، وقد يعلم به غير الشهود من الأهل والأقارب والجيران.

وهو عقد قد استكمل الأركان والشروط المُعتبرة شرعًا في صحَّة العقد، وبه تثبت جميع الحقوق مِن حَلِّ الاتصال، ومِن وُجوب النَّفَقَةِ على الرجل، ووُجوب الطاعة على المرأة، ونسَب الأولاد من الرجل؛ وهو العقْد الشَّرْعي الذي كان معهودًا عند المسلمين إلى عهد قريب. وقد كان الضمير الإيماني كافيًا عند الطرفينِ في الاعتراف به، وفي القيام بحُقوقه الشرعية على الوجه الذي يقضي به الشرع، ويتطلبه الإيمانُ.

السِّرُّ في اشتراط القانون توثيق عقد الزواج:

ظلَّ الأمر كذلك بين المسلمين من مبدأ التشريع إلى أن رَأَى أولياءُ الأمر أن ميزان الإيمان في كثير من القلوب قد خفَّ، وأن الضمير الإيماني في بعض الناس قد ذبُل، فوجد مَن يَدَّعِي الزوجية زُورًا، ويعتمد في إثباتها على شهادة شهودٍ هم من جنس المدعي، لا يتَّقون الله ولا يرعون الحقَّ؛ فما تشعر المرأة إلا وهي زوجة لمُزَوِّرٍ، أراد إلباسها قَهْرًا ثوب الزوجية وإخراجها من خِدْرها إلى بيته تحقيقًا لشهوته، أو كيْدًا لها ولأسرتها! كما وجد مَن أنكره تَخَلُّصًا من حقوق الزوجية، أو التماسًا للحرية في التزوُّج بمَن يشاء، ويعجز الطرف الآخر عن إثباته أمام القضاء؛ وبذلك لا تصل الزوجة إلى حقِّها في النفقة، لا يصل الزوج إلى حقه في الطاعة، وقد يضيع نسب الأولاد، ويلتصق بهم وبأُمِّهم العار فوق حِرمانهم حقوقهم فيما تركه الوالدان.

ولا شك أن عقد الزواج كان يتم قديماً بدون وثيقة وبدون تسجيل كما قال ابن تيمية رحمه الله [ لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون صداقات لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وإن أخّروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر، والمدة تطول وينسى صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له ]. مجموع فتاوى شيخ الإسلام 32/131.

ولكن صار تسجيل عقد الزواج أمراً لا بد منه، ولا يقال لماذا لا نمشي على ما مشى عليه السابقون من عدم التسجيل؟

فأقول: شتان ما بيننا وبينهم فلقد خربت ذمم كثير من الناس وقلت التقوى وكاد الورع أن يغيب في عصرنا لذا أؤكد على وجوب تسجيل الزواج في وثيقة رسمية وأعتقد أن من تزوج عرفياً أو زوج ابنته في زواج عرفي فهو آثم شرعاً وإن كان الزواج العرفي إن تم مستكملاً لأركان الزواج وشروطه صحيحاً شرعاً وكونه صحيحاً لا يمنع من تحريمه كمن حج بمال حرام فحجه صحيح ولكنه آثم شرعاً.

ومن المعلوم أن كتابة العقود وتوثيقها بمختلف أنواعها أمر مطلوب شرعاً وخاصة في هذا الزمان حيث خربت ذمم كثير من الناس وقل دينهم وورعهم وزاد طمعهم وجشعهم، وإن الاعتماد على عامل الثقة بين الناس ليس مضموناً لأن قلوب الناس متقلبة وأحوالهم متغيرة.

وقد أمر الله جل جلاله بتوثيق الدين حيث يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ …. وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ) سورة البقرة الآيتان 282-283 .

فهذا الأمر الرباني في كتابة الدنانير والدراهم لما في الكتابة من حفظ للحقوق فمن باب أولى كتابة ما يتعلق بالعرض والنسب.

ويضاف إلى ما سبق أنه يجب على الناس الالتزام بما نص عليه قانون الأحوال الشخصية فطاعة هذا القانون من باب الطاعة في المعروف وخاصة أنه يحقق مصالح الناس ويحفظ حقوقهم وبالذات حقوق المرأة والأطفال.

فمن المعلوم أن جميع المسلمين في هذه البلاد يرجعون إلى القضاء الشرعي في قضاياهم المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث وغيرها ويتحاكمون إلى قانون الأحوال الشخصية وهو مستمد من الشريعة الإسلامية فيجب الالتزام به شرعاً وقد ورد في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) رواه البخاري ومسلم.

وأسوق للذين يفتون بعدم تسجيل الزواج في وثيقة رسمية ويشجعون الناس عليه بعض ما يحدث من أمور في الزواج العرفي:

قد ينكر الزوج أنه تزوج في الزواج غير المسجل فماذا يحدث للزوجة والأولاد.

ومن المعلوم أن بعض قوانين الأحوال الشخصية قد [ ألزمت المحاكم القضائية بعدم سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا عند تقديم وثيقة رسمية ، وهذا ما استقر عليه القضاء المصري منذ عام 1931، ونصت عليه المادة (99) من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والمعدلة بالقانون رقم (78) لعام 1951.

وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 1/2/1957 أن الفقرة الناصة على عدم سماع الدعوى عند إنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا إذا كانت بوثيقة رسمية، فإن هذه الفقرة لا تَشترط الوثيقة الرسمية لصحة عقد الزواج، وإنما هي شرط لسماع الدعوى.

وقد رأَى المُشرِّع المصري ـ حفظًا للأُسَرِ، وصَوْنًا للحياة الزوجية، والأعراض من هذا التلاعُب ـ أن دعاوى الزوجية لا تُسمع إلا إذا كانت الزوجية ثابتةً بورقةٍ رسميةٍ؛ وبذلك التشريع صار الذين يُقدمون على الزواج العُرفي، ويَلْحقُهم شيءٌ من آثاره السيئة، هم وحدهم الذين يتحملون تبِعات ما يتعرضون له من هذه الآثار، كما يتحملون إثْم ضياع الأنساب للأولاد وحِرمانهم عند الإنكار، وهم المسئولون عن تصرُّفاتهم أمام الله، وأمام الناس.

قانون الضمير:

هذا هو الزواج العرفي، وتلك هى العلاقة السرية؛ ولْيعلمِ الناس أنه لا سلطان عليهم في ترك هذين النوعين من الزواج، ولا وِقاية لهم من شرِّهما إلا الضمائر الحيَّة التي تتوخَّى أكمل ما شرع الله، وتزِن الأعمال بنتائجها، ولْيعلموا ـ أيضًا ـ أنه ليس في استطاعة قانون ما أن يَرُدَّهُمْ عمَّا يُؤذيهم ويُشهر بهم ما دامت القوانين بطبيعتها لا تتناول إلا ما ظهر واتَّصل بها، وهذا نوع من قانون الضمير وَكَلَ الله المؤمن إليه؛ ليَشعر بمكانته عنده، وأنه عنده ليس يُقاد بالزمام دائمًا؛ فلْيضعِ المؤمنُ نفسه حيثُ وَضَعَهُ اللهُ.