الهجرة النبوية ، الحمد رب العالمين، الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، سبحانه من أعتمد عليه كفاه، ومن سأله أعطاه، ومن استعان به أعانه علي مصائب الدين والدنيا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، قال تعالي (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وقال صلي الله عليه وسلم في حديثه الصحيح (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، رواه البخاري.

إن الهجرة النبوية من مكة إلي المدينة، لم تكن فرارًا أو هروبًا من مكان إلى مكان، بل كانت نصرًا مبينًا من الله عز وجل، ومن خلال النظر والتأمل والتدبر لكتاب الله جل وعلا، نجد أن الهجرة كانت قدرًا لجميع الأنبياء والمرسلين، فالنبي صلي الله عليه وسلم لم يكن أول من هاجر.

فهذا آدم عليه السلام، أخرجه الله من الجنة وأهبطه إلى الأرض، ليبدأ رحلة الجهاد الأكبر ضد الشيطان، وهذه في حد ذاته هجرة، قال تعالى في سورة طه، الآية 123 (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ).

وهذا إبراهيم عليه السلام، كتب الله عز وجل عليه الهجرة، فكان دائم التنقل بحثًا عن الأمن في الحياة والمناخ المهيأ للاستقرار، ويقول عز وجل (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا).

وهذا إسماعيل عليه السلام، كانت هجرته من أعجب الهجرات في التاريخ كله، فقد هاجر عليه السلام، وهو في المهد، وألقاه أبوه في أرض جرداء لا زرع فيها ولا ماء تنفيذًا لأمر الله، وإلى هذه الهجرة العظيمة التي قام بها إسماعيل عليه السلام، يعود قيام أعظم مدينة مقدسة في التاريخ، وهي مكة، وأصبح هذا الطفل المهاجر في المهد أبًا للعرب.

وهذا عيسي عليه السلام، هاجر من فلسطين إلى مصر، ثم بعد ذلك رجع إلى فلسطين، قال عز وجل مشيرًا إلى هجرته (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ)، سورة المؤمنون، الآية 50.

وهكذا توالت هجرات الأنبياء إلى أن تأتي هجرة الحبيب محمد صلي الله عليه وسلم، التي مر عليها 1440 عامًا هجريًا، تأتي وحدها، فهذه الهجرة النبوية الشريفة، قد انتهت بإقامة دولة وحضارة، ومن نواة الدولة والحضارة ونموذجها انطلق الإسلام إلى آفاق الأرض عقيدة وشريعة وحضارة، ومازال إشعاع الهجرة النبوية ممتدة في العالم كله.

وهكذا إن الناظر والمتأمل لهجرة الرسول صلي الله عليه وسلم يري أنها كانت ومازالت وستظل ذات عطاء متجدد بما احتوت عليه من جوانب العظمة التي تعتبر دروسًا نافعة ستظل البشرية جمعًا تنقلها وتتناقلها من جيل إلى جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وأخيرًا وفي النهاية المطاف، أقول:

إن الهجرة لم تكن على النبي فقط، بل علينا جميعًا أن نهاجر إلى الله عز وجل، ولكن كيف تتحقق الهجرة التي يحتاجها كل مسلم؟

للإجابة علي هذا السؤال، نقول الهجرة تكون من المعصية إلى الطاعة، ومن الفجور إلى التقوي، ومن الباطل إلى الحق، ومن الظلام إلى النور، ومن المحرمات إلى الطاعات.

قال صلي الله عليه وسلم، مشيرًا إلى ذلك في حديثه الصحيح “المسلم من سَلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”.