Rotating Banner

Rotating Banner


الصلح العرفي لا يزال عاجزا عن وقف “سلسال الدم”

الصلح العرفي لا يزال عاجزا عن وقف “سلسال الدم”
كتب -

كتب: عبدالحكيم القاضى:

جرار زراعى دهس دجاجة بالخطأ، فانفجر صراع بين قبيليتن وسالت دماء لم تحقنها إلا وساطة الشيخ محمد الطيب الحسانى.هذا نموذج لواقعة شديدة البساطة، ومثلها الكثير، تحولت إلى صراع ثأرى قبلى، تأتى بعده جلسات الصلح العرفى لتحاول رأب الصدع وحقن الدماء، فيما تبدو طقوس تقديم الكفن أو “القودة” عاجزة عن حل الأزمة.

 لما لها من جذور معقدة للغاية، بعضها يعود إلى العصر الجاهلى مثل النزعة الاستعلائية، وأخرى أكثر حداثة مثل السلاح المهرب والمسرب الذى يحل محل القوت اليومى لبعض الأسر.. وغيرها من الأسباب نحاول أن نحللها فى هذا الملف.

مرجعية فكرة الثُار

فكرة الثأر بالصعيد ليست مستحدثة، بل لها جذورها التى تعود إلى الجاهلية الأولى، ومن المعروف أن قبائل مصر تنحدر جذورها من شبه الجزيرة العربية وبلاد المغرب العربى وغيرها، رغم هجرة تلك القبائل واستيطانها بمصر، إلا أن مورثها العربى القديم مازال يحمل جينات لفكر قديم توارثته الأجيال، منه الكرم والشجاعة والتباهى بالأنساب، ومنها أيضًا الثأر والانتقام، هذه الموروثات حملتها القبائل العربية الوافدة التى استوطنت مصر وشكلت قبائل العرب والأشراف والهوراة والنوبيين والهلايل أيضًا.

والمعروف أن أى صراع بين فصيلين مرجعه الدفاع عن النفس أو العرض أو المال، لكن الصراع القبلى بالصعيد، يشتعل أحيانًا لأسباب بسيطة جدًا وسطحية، مما يبرز الموروث جاهلى، مثلما اشتعلت حرب البسوس العربية قديمًا لمقتل ناقة رميت بسهم لأنها تجاسرت وأكلت فى مرعى لقبيلة أخرى، اقتتل على إثر ذلك القبيلتان أربعون عامًا رغم ما يربطهما من نسب وصهر.

قد ينشب الصراع بسبب لعب صبية وقعت بينهم مشاحنات، تدخل بعدها الكبار لتكون شرارة لحرب قبلية تخلف وراءها قتلى وجرحى لاحصر لهم، أويدور صراع ثأرى بين قبيلتين بسب الخلاف على حد فاصل بين قطعتى أرض لا يتجاوز الشبر الواحد، وهناك واقعة فى قنا دهس فيها جرار زراعى دجاجة، أخذت جهدًا كبيرًا من الشيخ محمد الطيب الحسانى كى يحقن الدماء التى أريقت بين القبيلتين.

ثلاثية الصراع القبلى

ستظل ذاكرة أبناء الصعيد ما حيوا تحمل ذلك المشهد الدامى لثلاثية الصراع القبلى بين العرب والأشراف والهوارة، وأخيرًا نشب صراع من نوع جديد بين النوبيين والهلايل، والفصيلين الأخيرين إن كان انتشارهما يتجلى بمحافظة أسوان إلا أن لهم جذور وفروع فى قنا أيضًا.

ويتجلى الصراع القبلى فى قنا فى أكثر من صورة، تارة صراع بين العرب والهوارة، وأخرى بين العرب والأشراف، ومرة بين الأشراف والحميدات، والذاكرة الشعبية حبلى بالكثير من المشاهد الدامية لهذا الصراع الذى خلَّف وراءه على مدى عقود طويلة عددًا لا يحصى من القتلى والجرحى.

خريطة الصراع القبلى

تبدأ خريطة الصراع القبلى بقنا شمالًا حيث صراع العرب والهوارة بمراكز دشنا ونجع حمادى وفرشوط والرئيسية وأبوتشت، ثم صراع العرب والأشراف المتمركز وسط المحافظة بمدينتى قنا وقراها وجزء من مدينة قـفط، ثم صراع العرب والعرب جنوب المحافظة قوص وقفـط ونقادة، المعروف بصراع كتلتى شرق وغرب النيل، فضلًا عن صراع من نوع آخر بين العرب والفلاحين بمركز نقادة، ثم صراع النوبيين والهلايل الذى دارت رحاه بأسوان.

بؤر ثأرية

لا تكاد تخلو منطقة بقنا من خصومة ثأرية، لكن هناك مناطق تزداد فيها حدة الصراع الذى يصل إلى درجة التقاتل وإراقة الدماء، مثل قرى الرئيسية وحمرا دوم وأبوحزام والسمطا وفاو ودشنا والحجيرات وأولاد عمرو والجبلاو والمحروسة، وبعض قرى قفط وقوص.

النظرة الاستعلائية

هناك ابتلاء اُبتلى به أهل الصعيد ظنوه خيرًا وهو شر لهم؛ ألا وهو تلك النظرة الاستعلائية بين القبائل، فترى كل قبيلة أنها الأعلى نسبًا وصهرًا من الأخرى، ويتغذى الصغار على هذه المفاهيم ويشبوا عليها، وما حدث بأسوان خير دليل، حيث تنظر إحدى القبيلتين لأخرى نظرة دونية بدأت بالكتابة على جدران المدارس وانتهت بسقوط 32 قتيلًا من الفريقين.

البطل الشعبى

من الأسباب الأخرى لتفجر الصراع القبلى هو فكرة البطل الشعبى، خاصة مع إعلاء الإعلام لهذا المفهوم، وما يبثه- بُحسن نية- لصورة البطل الشعبى فى الملاحم القديمة، الذى نشأنا على بطولاته وأصبح قدوة يحتذى بها خاصة من قبل الصبية الصغار، وما وصل إلينا من موروث شعبى حول بطولات أبو زيد الهلالى وسيف اليزن وأدهم الشرقاوى وغيرهم، ولكن أخذ البعض الصورة الشعبية للبطل وحوله إلى مصدر إلهام فى الاقتتال.

السلاح.. الشيطان الأعمى

السلاح أحد أهم العوامل المساعدة على تفجر سلسال الدم بالصعيد، فلا يختلف اثنان أن السلاح هو الباعث الأول على الوقوع فى النزاعات والجرائم الثأرية، والحصول عليه أصبح أمر ميسور وتجارته رائجة فى صعيد مصر، ولها أباطرتها المعلومون للقاصى والدانى، بما فيهم الجهات الأمنية التى وقفت مكتوفة الأيدى أمام هؤلاء.

والسلاح إما مُسرب أو مُهرب أو محلى الصنع، فالأسلحة المسربة هى تلك الأسلحة التى تم تسريبها منذ المقاومة الشعبية، وهى أسلحة بدائية ذخيرتها نادرة الآن، حيث كان الأهالى يتسلمون تلك الأسلحة من الدولة للمشاركة فى المقاومة الشعبية وعند انتهاء مهتهم لا يعود 20% من هذه الأسلحة، والباقى احتفظت به العائلات فى حوزتها حتى الآن من باب التباهى، فضلًا عما تم تسريبه من أسلحة من حربى 1967 و 1973، ومازال هذا السلاح بحوزة الكثير من العائلات.

أما الأسلحة المهربة فمصدرها الأول ما تم تهريبه عبر الحدود خاصة من السودان عبر الجبال والأودية، وما تم تهريبه من سيناء وليبيا مؤخرًا وتم ضبط المئات من هذه الأسلحة وما خفى كان أكثر، وهناك مصدر ثالث لتلك الأسلحة وهى المُصنعة محليًا.

والسلاح لدى بعض القبائل وشبابها مُفضل على إطعام أهل البيت، فتجد بيوتًا دق الفقر عظام أهلها لكنهم على استعداد تام أن لدفع كل ما يملكون- ولو كان قليلًا- لشراء قطعة سلاح، والأكثر غرابة أنه فى حالة اشتباك قبيلة مع أخرى لو كان سلاح القبيلة غير كاف يتم فرض إتاوة مالية على القادر لشراء السلاح، أما غير القادر فيكتب على نفسه إيصال أمانة لحين ميسرة، وذلك لتسليح بعض أفراد القبيلة تحت زعم الدفاع عنها، وبعد انتهاء حالة الاحتقان وعودة الحياة لطبيعتها تجمع هذه الأسلحة ثانية من أفراد الجناح العسكرى للقبيلة لتذهب لحوزة أحد كبار القبيلة، إن شاء يحتفظ بها فى سلاحليك خاص لتكون جاهزه تحت الطلب، وإن شاء يتاجر بها.

الصراع السياسى

تنظر بعض القبائل إلى كرسى البرلمان ومنصب العمدية والمشيخة كجزء من موروثها القبلى، ومن غير المقبول لدى تلك القبائل خروج أحد هذه المناصب من حوزتها، بالتالى تتصاعد حدة المنافسة التى تصل إلى حد التقاتل وإشهار الأسلحة دفاعًا عما اعتقدوه ميراثًا لهم، ربما جاءت فكرة التمثيل القبلى فى ترشيحات البرلمان التى انتهجها الحزب الوطنى المنحل باختيار ممثلين لكل القبائل على قائمته ضمانًا للفوز ودرءً للصراع القبلى، ورغم ذلك لم تفلح هذه الحيلة، فوجدنا صراعًا يحتدم بين الأشقاء على من منهم أولى بميراث أبيه فى البرلمان، وهو ما أوقع الحزب الوكنى فى حيرة آنذاك.

اللافت للإنتباه أن هناك مناصب تراجعت أهميتها مثل العمدية، لكن ماتزال القبائل تتناحر عليه كى تحظى بشرف بقاء هذا المنصب فى حوزتها حتى آخر لحظة.

صراع الحدود

بقى الحد الفاصل بين الأراضى الزراعية سببًا صريحًا للتقاتل والتناحر بين القبائل، رغم قبول المحتمع الصعيدى واقتناعه بفكرة دلّال الأرض، وهو الشخص الذى يضع الحد الفاصل بين الأراضى المتنازع عليها، إلا أن عودة البعض بالجور والزحف على أرض الغير- من باب الطمع- ظل سببًا لعدم الوفاق فى الفصل بين حدود الأراضى، مما خلق صراعًا خلف مئات القتلى والجرجى، كما أن الأراضى الصحرواية المستصلحة كانت أكثر الأسباب لتجدد الصراع بين القبائل، لكونها أرض مستباحة، لا رقابة عليها ولا مالك ينازع فيها، وهناك الكثير من الأمثلة الدموية لهذا النزاع.

البطالة وانتشار المخدرات

هناك قرى ضالعة فى تجارة المخدرات بأنواعها، وشبابها أصابته البطالة ولا يجدون ما يكفى لقوت أولادهم، ولهم وسيلة سهلة للتخلص من الفقر سوى تجارة المخدرات، فالبطالة فى تلك القرى تصل إلى نسبة 70%، رغم أن بها أكبر نسبة تعليم عالٍ بين الشباب، لكن غول البطالة جعلهم يلجأون إلى تجارة المخدرات، حيث تباع علنًا وبكميات كبيرة، ولها تجار معروفون بالاسم.

الحل العرفى

القضاء العرفى هو ذلك القضاء الشعبى المؤلف من خيرة الرجال، ممن لهم الرأى السديد والكلمة المسموعة والنصيب الأوفر من الاحترام والكلمة المطاعة لدى الآخر، ربما يرجع ذلك لتوافر أسباب بعينها فى شخصية القاضى العرفى، قد يكون لمرجعية دينية، كأن يكون القاضى العرفى رجل ذو هيبة دينية مثل الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر وابن قنا، أو جامع للهيبة الدينية والزعامة الشعبية مثل الراحل الأمير الفضل الدندراوى، أو شخص ذو هيبة قبلية مثل الشيخ كمال تقادم الجعفرى والعمدة غلاب عبيد وغيرهم.

حين يقدم القاضى العرفى ومن معه على إنهاء خصومة ثأرية فإنه يلتزم بأعراف المنطقة التى يتم فيها الصلح، أو يطبق نهج المدرسة التى ينتمى إليها، وغالبًا ما يتم إنهاء الخصومات الثأرية بنظام القودة (تقديم الكفن)؛ والقودة تطبيق لذلك القانون العرفى الذى يتفق فى منهجه، ويختلف فى أسلوب تطبيقه.

تعتمد فكرة القودة على قبول الخصم لمبدأ التصالح فى الأساس، من خلال لجان المصالحات التى تضم قضاة عرفيين وعواقل القبائل من أصحاب الهيبة ورجال الدين، حيث يحمل من فى رقبته الدم كفنه، ويتقدم به نحو ممثلى القبيلة صاحبة الدم طالبًا العفو والصفح. 

إحتواء فتنة أسوان

وللحد من انتشار الفتنة التى اندلعت بأسوان ومنع امتدادها خارج حدود المحافظة- نظرًا لانتشار طرفى الخصومة بمحافظات الصعيد- زار وفد من قيادات ورموز قبيلة الأشراف بقنا، بزيارة لمحافظة أسوان لمحاولة إنهاء الخلافات بين قبيلتى الهلايل والدابودية، ضم الوفد 43 شخصية من قيادات ورموز قبيلة أشراف قنا، وزاروا ساحة الأشراف بأسوان، ثم التقوا اللواء مصطفى يسرى محافظ أسوان، أعقبه لقاء طرفى الخصومة لإقناعهم بوقف تبادل الإشتباكات لحين الفصل فى الأمر.

وأعلن وفد الأشراف زيارته لأسوان من أجل مؤازرة ومساندة أهلها لنبذ العنف والعودة للتسامح، والتحلى بسلوك أهل أسوان تلك البقعة التى لم يسبق لها الدخول فى معترك الخصومات الثأرية، ضم وفد الأشراف كل من رفاعى عبد الوهاب، ومحمد حسن العجل، وعبد الفتاح كرار، وحامد همام، ومصطفى شحاته، وعلى حمام وعدد كبير من قيادات ورموز القبيلة.

ومن جانبه قام فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمدالطيب بتشكيل لجنة برئاسة الدكتور منصور كباش، رئيس جامعة أسوان، لإتمام مساعى الصلح بين أبناء قبيلتى دابود النوبية وبنى هلال، وتحت إشراف مصطفى يسرى، محافظ أسوان، وأكد شيخ الأزهر عقب لقائه بممثلى القبيلتين، أن عمل اللجنة سيكون عملها تقصى الحقائق من كل الاتجاهات والإعداد لإتمام الصلح طبقا لأعراف الشريعة الإسلامية.

وأوضح شيخ الأزهر أن الطرفين تعهدا بضبط النفس وعدم التعرض لبعضيهما، ويقوم الجميع بممارسة حياتهم الطبيعية والذهاب إلى الأعمال والتنقل والبيع والشراء بحرية، ووافقا على تفويض اللجنة المشكلة لإتمام الصلح، والتى سيكون دورها إعطاء كل ذى حق حقه، كما وافقا على الرضا بما تنتهى إليه اللجنة من قرارات.

فى الوقت الذى دعا فيه شيخ الأزهر وسائل الإعلام إلى تبنى خطاب رشيد حقنًا للدماء، بعد أن أبدت جميع الأطراف استياءها من طريقة تناول الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى للأحداث فى أسوان.

المصالحات الصورية

المصالحات الصورية أحد أخطر الأسباب المفجرة لبحور من الدماء فى صعيد مصر، حيث يتم الضغط على طرفى النزاع للتصالح بحضور القيادات الأمنية والطبيعية، لإنهاء خصومة ثأرية بين المتناحرين، فى حين أن إنهاء هذا النزاع لم يتجاوز حدود السرادق المقام، لكن يبقى مافى النفوس المتناحرة من غل وكراهية للآخر، ومع حدوث أى خلاف بين الطرفين يعود الصراع لسابق عهده بل أشد وطأة، لذا ترى بعض مدارس الصلح فرض عقوبات شديدة وشروطًا جزائية مجحفة لمن يخل بالعهد من طرفى النزاع، قد تصل العقوبة إلى التعزير بخروج تلك القبيلة كاملة من البلد.

مدارس القودة

وفى دراسة سابقة للإعلامى محمود الديرى أكد أن مدارس القودة ليست مجرد كيان مكون من قضاة عرفيين وعواقل القبائل وأصحاب الهيبة فقط، لكنها مدارس مستقلة بذاتها، تتفق فى دوافعها وهى إنهاء الخصومات الثأرية، وتختلف فى أداءها وهو الطقس المتبع لإنهاء الخصومة، وبحسب ما انتهت اليه الدراسات التى أشار إليها العمدة غلاب عبيد عمدة المقربية، وأحد كبار قيادات لجان الصلح بالصعيد أن هناك نحو أربعة مدارس رئيسة للصلح.

الأولى هى مدرسة العبابدة؛ التى كانت تتسم بالقسوة لإجبار تلك المدرسة من فى رقبته دم أن يحمل كفنه وهو عاريًا تمامًا ومجرورًا من الرقبة، وأن يكون ملفوفًا بالكفن لستر عورته فقط، وأن يمشى حافى القدمين مسافة لا تقل عن 3 كيلومترات.

ظلت هذه القودة معمولًا بها من الأربعينات حتى الستينيات، حيث كان يجبر فيها القاتل على الزواج من القبيلة صاحبة الدم ويعيش بينهم، وإذا قُتل يؤخذ بثأره لكونه متسببًا فى فراغ القبيلة من أحد أبناءها.

أما المدرسة الثانية فهى مدرسة إدفو؛ وكانت شائعة فى إقليم إدفو وقرى جنوب محافظة قنا، وكان من فى رقبته دم يُجبر على ارتداء جلباب أسود مقلوب ومُقيد فوق الركبة، وأن يكون مجرورًا من رقبته كما حدث فى مدرسة العبابدة ولكن تلك المدرسة ليس بها زواج لمن فى رقبته دم.

 والمدرسة الثالثة فهى مدرسة الراحل السيد العباس الفضل الدندراوى، وفى تلك المدرسة للقودة كان يرتدى من فى رقبته دم جلبابًا أسود مقلوب، ويتم عدله عند تقديم القودة، وكان للسيد الفضل الدندراوى رحمه الله كاريزما شخصية تؤهله لذلك.

وتبقى المدرسة الرابعة، التى انتهجها العمدة غلاب عبيد رئيس لجنة المصالحات وعمدة المقربية، وحافظ فيها على كرامة من فى رقبته دم، فأعفاه من ارتداء الثوب الأسود مقلوبًا وجره من رقبته، واكتفى بأن يحمل كفنه بين يديه ويتقدم به إلى القبيلة صاحبة الدم.

أصحاب مدارس الصلح والقودة

ومن أشهر القبائل التى تبنت مدارس الصلح فى صعيد مصر هم قبائل الحساسنة بالأقصر والجعافرة بإدفو، والأدارسة بالأقصر، والأسرة الدندراوية بدندرة بقنا.

ومن أبرز الشخصيات التى ساهمت فى المصالحات هم السيد الفضل الدنراوى رحمه الله، والشيخ محمد الطيب الحسانى والشيخ تقادم الليثى والشيخ كمال تقادم الجعفرى، والشيخان مصطفى وأحمد الإدريسى والعمدة غلاب عمدة المقريبة عبيد والعمدة فؤاد أحمد على عمدة العيايشة، وغالبًا ماينجح هؤلاء وأصحاب مدارس الصلح والقودة فى فيما تفشل فيه الجهات الأمنية وقيادات العائلات فى حقن الدماء بين المتناحرين.

جهود مضنية

يقول الشيخ كمال تقادم الجعفرى، من قيادات لجان المصالحات: نبذل جهودًا مضنية للتوفيق بين القبائل المنتاحرة، لكن الكثير منا- رغم صدق النوايا فى تهدئة الأوضاع- يخطئ فى مسلكه بالضغط على القبيلتين بالتصالح ودماء قتلاهما لم تجف بعد، فاختيار التوقيت غير مناسب، لكن من الأولى التدخل فى بادئ الأمر لوقف التناحر وتبادل إطلاق النار عصمة للدماء، وبعد أن تضع الحرب أوزارها تبدأ المساعى بخطى حثيثة نحو المصالحة، ومن يتقدم للمصالحة ويعرض الصلح لابد أن يكون شخصية مقبولة لدى الطرفين، ويقدم حلولًا يرتضيها أصحاب الدم، مثل القودة والدية والتغريب أحيانًا، وهو عقوبة تعزيرية لكنها لاتطبق كثيرًا فى بلادنا.

توقفنا عند المصالحة

ويقول العمدة غلاب عبيد عمدة المقربية ورئيس لجنة المصالحات: رغم الطفرة التكنولوجية الهائلة- التى كان لصعيد مصر نصيب منها- إلا أن نمط المجتمع لم يتغير بكل أسف إلى السلوك المقابل لهذه الطفرة التكنولوجية والعلمية الهائلة، وما نحن بصدده من تعصب قبلى بذلنا فيه جهدًا كبيرًا لمحاربته، ولكن يبدو أن جهودنا توقفت عند المصالحات التى تقع عقب نهاية كل حادث بالسعى للصلح، ولكن المطلوب تضافر كافة الجهود الشعبية و السياسية والدينية للضرب بيد من حديد على مبدأ التعصب القبلى، الذى لن نجد له مخرجًا إلا بتثقيف أبناء هذا المجتمع من مخاطر النعرة القبلية التى تأخذ الصعيد لألف خطوة للوراء.

ويضيف: لعل الأمل فى مثقفى قنا والصعيد عمومًا، الذين تواروا فى خنادقهم وانشغلوا بمحافلهم الثقافية التى عزلتهم عن الاختلاط بالمجتمع ومحاربة هذا المرض العضال المسمى بالنعرة القبلية.

التعصب القبلى

ويرى العمدة فؤاد أحمد على عمدة العيايشا وعضو لجنة المصالحات أن طامتنا الكبرى تكمن فى وجود أناس من العهد البائد من أهل الصعيد، رغم أنهم بلغوا من الكبر عتيًا إلا أنهم مازالوا يحملون فكرًا ثأريًا يدعو للتعصب القبلى، وبكل أسف هؤلاء هم المسيطرون على مقاليد الأمور وهم الموجهون لفكر الشباب ويحرضونهم على التمسك بتلابيب العصبية القبلية ويغرس هؤلاء الكهول فى نفوس الشباب النعرة الاستعلائية، وأنهم ينتمون لطبقة تؤهلهم لسيادة من حولهم فلا يتهاونوا فى أبسط حقوقهم، بل تزداد الخلافات حدة و تعقيدًا لأتفه الأسباب.

وقت أطول

ويحمل الشيخ محمد الطيب، شقيق شيخ الأزهر، وجهة نظر أخرى حيث يرى أن هناك بعض المشكلات تتطلب وقتًا أطول لحلها مثل مشكلات الدم أو الخصومات الثأرية، وفى مثل هذه الحالة يعرض على ولى الدم أن يسامح ويعفو عن أخيه المسلم، وفى كثير من الأحيان يقابل ذلك بالرفض ويصر على الأخذ بثأره، وهنا نطلب منه أن ينتظر حكم القضاء فإذا عوقب المتهم بالإعدام فليس له ثأر، أما إذا سجن وقضى مدة العقوبة وتمسك ولى الدم بحقه فى الأخذ بالثأر فإن هناك شروط للقصاص تفرض عليه.

 ويشير إلى أنه فى حالة حدوث توافق بين الناس على قرارات القضاء العرفى فيكون الصلح نهاية المطاف، ويعلن كل طرف تسامحه مع الآخر وتنازله عن شكواه أمام المحاكم.