ثمة خلاف واختلاف حول التفرقة بين لفظتي الحقيقة والواقع، لا سيما أنها مشكلة فلسفية جدلية بين الفلاسفة قديمًا وحديثًا فتباينت الرؤي والتوجهات الفلسفية ما بين أفلاطون وأرسطو وكانط ومارتن هيدجر ونيتشة وبن رشد وميشيل فوكو، لكن أرى أن هذا الجدل يخلص في النهاية إلى أن الحقيقة شيء هلامي لا يمكن الإمساك به أو الإلمام بكل جوانبه، ومن ثم تكون الطريقة المثلى للتفكير في الأمور هو التفكير العلمي بمنهجية سيميائية وبمنظور تأويلي للاقتراب من الحقيقة من خلال طرح العديد من الرؤى وأكبر قدر من الدلالات حول الأمر محل التفكير.

تعد السطور السابقة بمثابة تمهيدًا فلسفيًا ومدخلاً علميًا لتناول الوضع الإعلامي الراهن الذي يمثل “الواقع” إذ نعيش الآن في معاناة حقيقية نتيجة تضارب الأداء الإعلامي وضعف المضامين والرسائل المقدمة نتيجة المسافات الفاصلة بين الإعلاميين ووسائل الإعلام من جهة، وواقع الجمهور من جهة أخرى، وهو ما يحيلنا إلى التفكير في بعض الأسباب المترتبة على بعض، فالبداية عند التعليم والدراسة، فالحقيقة أنه يجب ألا يعمل في الحقل الإعلامي إلا دارسي الإعلام كما الحال في حقول الطب والهندسة وغيرهما، فلا يصح أن يعمل في الطب أو الهندسة من لم يدرسهما وإلا أصبح الأمر “مصيبة”، والواقع أن الحقل الإعلامي ملئٌ بمن لم يدرسوا الإعلام بشكل علمي فهو تخصص يجب أن يُحترم شأنه شأن كل التخصصات العلمية.

يترتب على السبب الأول _ التعليم _ المستوى المهني ومستوى الأداء والالتزام بأخلاقيات وتشريعات الإعلام والضمير والمسئولية والمواثيق الإعلامية، فالحقيقة أنه واجب على دارسي الإعلام العاملين في حقل الإعلام أن يكونوا ملتزمين بذلك غير أن “الواقع” أنه لا يوجد التزامٌ تام بذلك نظرًا لعدة أسباب مختلفة، لكن لا ننكر وجود إلتزام بدرجات متفاوتة في بعض الأحيان.

السبب الثالث المترتب على ما سبق هو مستوى التعامل مع الجمهور، وهنا نجد أنفسنا أمام حقيقة أن الجمهور يتميز بوعي كبير ورؤية ناضجة في تناول وتحليل الأمور نتيجة تطور تكنولوجيا الاتصال والتواصل، والواقع أن البعض يتعامل مع الجمهور على أنهم أقل وعيًا وثقافًة وفهمًا للأمور وأنهم مجرد متلقون للرسائل الإعلامية ولا يمكنهم التفكير أو تحليل الرسائل بشكلٍ مغايرٍ عما يتم تقديمه، وهي نفس الفكرة التي ثار عليها قديمًا في العصور الوسطي مارتن لوثر عندما كان تأويل وتفسير الكتاب المقدس حكرًا على رجال الدين الذين استعملوا هذا الحق بشكل غير مقبول في بيع صكوك الغفران والمتاجرة بالجنة والنار.

هي أمورٌ مركبة ومعقدة أدت في العموم إلى تدهور وتراجع الوضع الإعلامي، إلا أننا نستطيع أن نقول من وجهة نظرة تفاؤلية أننا نلمس في الواقع اتخاذ خطوات هامة لتصحيح المسار وضبط الواقع الإعلامي، منها إنشاء الهيئات الوطنية المختصة بالشأن الإعلامي المتمثلة في المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام والدور المنوط بهذه المؤسسات لضبط الأداء الإعلامي، والحقيقة أن هذه الخطوة بمثابة نتيجة لإدراك الحقيقة الواقع”.

هنا نقر بأن الحقل الإعلامي يحتاج إلى تفكير إبداعي يتسق مع التطورات التقنية، من خلال تطوير الأداء الإعلامي والرسالة الإعلامية والتعامل مع الجمهور بشكل مغاير تمامًا والرجوع إلي الدراسات الإعلامية المرتبطة بالجمهور، واعتماد الشفافية في تداول المعلومات وتقديمها بشكل واضح وصريح ليستطيع الجمهور فهمها واستيعابها وتقديم شروحات تقطع على المتنطعين وأصحاب التفكير الأسود طريق التأويل الخاطئ الكاذب لكل ما يفتح المجال أمام الشك والحيرة واحتمالية عدم الفهم الصحيح، ومن ثم نستطيع أن نتصدى للأيديولوجيات المتنافرة في هذا العالم والتي تسعي إلي تحقيق أهدافها الموضوعة وإن كان على حساب استقرار الإنسانية والحياة.