لا شك أن التكنولوجيا أصبحت تُشكل حياتنا وترسُم ملامحها بشكل تلقائي، حتى انقلبت الحقيقة، فبدلاً من أن تكون التكنولوجيا أداة ووسيلة نُطوّعها من أجل خدمتنا وتسهيل حياتنا، أصبحنا نحن طوع التكنولوجيا نسير كما لو كانت هي المتحكم في توجيهنا، هنا يجب أن نقف بقوة وأن نواجه أنفسنا بالحقيقة حتى لا تسوء الأمور أكثر مما هي عليه.

أن ندرك أخطاءنا ونصححها أمر صحي عقلاني يستحق الإشادة، أما المكابرة والتغاضي والتجاهل لأخطائنا سيكلفنا ما لا نطيق، يجب أن نصحح الوضع وأن نصبح _ نحن _ من يتحكم في زمام الأمور.

لقد لامسنا التأثيرات السلبية الناتجة عن استخدامنا الخاطئ للتكنولوجيا وتطبيقاتها المختلفة في شتي مناحي حياتنا، حتي أصبحنا نلغي طبيعتنا البشرية والإنسانية، ومن ثم تغيرت أنماط حياتنا وافتقدنا أشياءً كثيرة كانت تُضفي علي حياتنا مذاقًا وصبغة مميزة، لم نعد تقريبا قادرين علي القيام بشئ، لا سيما أننا نستسهل الاعتماد علي التكنولوجيا، فمثلاً نستقل سياراتنا إلي أي مكانٍ قريبٍ كان أو بعيد، علي الرغم من أن السيارات وسيلة مواصلات صُنعت للمسافات البعيدة لتقصير المدة الزمنية التي تستغرقها هذه المسافات إلا أننا قد نستقل سياراتنا لنتحرك أمتارًا قليلة، بل وتنتابنا حالة غريبة من الكسل وعدم القدرة علي الحركة واختلاق المبررات لأنفسنا، لا نفكر حتي أن نمشي لنتريض وتتحرك مفاصلنا، علي عكس الغربيون صناع التكنولوجيا الذين يسخرونها لخدمتهم وراحتهم دون التأثير علي نمط حياتهم فنجدهم يستقلون سياراتهم إلي نقطة محددة ثم يترجلون أو يلجأون إلي استخدام الدراجات حتي نقطة الوصول.

لا يقف الأمر عند هذا الحد بل إنه يصل إلى درجة البعد عن الممارسات الحياتية الطبيعية كإعمال الذهن والعقل في الأمور العادية التي لا تستلزم أبداً استخدام التكنولوجيا فعند إجراء عملية حسابية بسيطة نجد معظمنا يقوم بشكل تلقائي دون تفكير إلى استخدام الآلة الحاسبة أو حاسبة الجوال.

إذاً ألغينا عقولنا وجمدنا خلايا المخ وأعملنا الآلات بدلاً منها، إلا أن مصيبتنا الأكبر في أطفالنا الذين انتشرت بينهم أمراض التوحد وضعف النظر وتأخر الكلام والتأخر العقلي، إلخ…، بسبب الحواسيب اللوحية والهواتف المحمولة وشاشات التلفاز التي دمرت الطفولة والأطفال، وأُرجع السبب هنا إلى غفلة الوالدين عن الأطفال بسبب انشغالهم لأي سبب كان.

إذا انتقلنا إلى تأثيرات التكنولوجيا على الوضع الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام ما يسمي بوسائل ومواقع التواصل الاجتماعي، والحقيقة فإنني أطلق عليها إن صح التعبير “وسائل التواصل الافتراضي” أو “وسائل الانقطاع الاجتماعي”، فقد أصبحت المواقف الاجتماعية عبارة عن مواقف تُسجل في الواقع الافتراضي ولم نعد نمارسها في الواقع مما أدي إلى قطيعة مبررة من وجهة نظرنا.

كالعادة إذا قمنا بمقارنة حالنا بأحوال الغرب نجد أن المشكلة تكمن في سلوكياتنا وفهمنا واستخدامنا للتكنولوجيا فنجد أن النتيجة هي انتشار أمراض التكنولوجيا، بينما على العكس فإن النتيجة تكون حياة أكثر رفاهية وأكثر رقياً وتقدماً وسهولة والاختلاف هنا يكمن في التوظيف والاستخدام الهادف والمدروس، ويبقي السؤال هل من الممكن أن نقف أمام أنفسنا في مواجهة ومصارحة ومكاشفة قوية من أجل تصحيح المسار؟!!… هذا ما أتمنى.