ولاد البلد

شيخ خفر معبد دندرة يحكي ذكريات 34 عامًا حارسًا لآثار بلاده

شيخ خفر معبد دندرة يحكي ذكريات 34 عامًا حارسًا لآثار بلاده عم محمد

تصوير: أميرة صبري

على أعتاب معبد دندرة يجلس، تعلو وجهه ابتسامة خفيفة، بينما يرمي ببصره بعيدًا وهو يستعيد ذكرياته الطويلة، والتي لا تنتهي مع معبد دندرة.

منذ 34 عامًا بدأت قصتي مع تلك الجدران، التي كل ناحية فيها تنطق كأنها تبوح لي بأسرارها، بدأ ماهر سعيد، شيخ الخفر بمعبد دندرة سابقًا، وشهرته عم محمد، عمله عام 1976، إذ قضى به 34 عامًا، إلى أن بلغ سن المعاش في عام 2010.

العمل في الآثار

عمل عم محمد في السابق بالعديد من المناطق الأثرية، منها المركز المصري الفرنسي للأبحاث الأثرية بالكرنك، وهندسة الآثار وقضى بهما 14 عامًا عاملًا باليومية المؤقتة، إلى أن عُين بالمعبد كحارس للآثار، بحكم أنه من أبناء المحافظة ومن قرية دندرة ويسكن جوار المعبد، وبعد تعيينه بـ25 عامًا أصبح شيخًا لأكثر من  15 غفيرًا بالمعبد.

بدأ سعيد العمل بالمعبد، ولم يكن على علم تام بتاريخه، فتلقى دروسًا مع زملائه على يد الباحثة الفرنسية سيلفي كوفيل، مدير البحث بمعبد دندرة آنذاك، عن المعبد بشكل كامل وتاريخه.

تزوج عم محمد في السابعة والعشرين من عمره، ورُزق بـ 6 أبناء وهم: كرم وكريمة وكريم وهدى وآدم ونسمة، و3 أحفاد.

شيخ الخفر

وصف عم محمد فترة عمله شيخًا للخفر بـ”الخدمة الميري”، إذ قسّم الخفر إلى ورديات، بواقع 3 أفراد خدمة سيارة، و2 بالبوابة الرئيسية، و3 خدمة خارجية للسور اللبني والمدافن الفرعونية، بالإضافة إلى مهمة حماية زملائهم أثناء فترة راحتهم .

ويرى أن عمل حراس المعبد أكثر مشقة من عمل شرطة الآثار، إذ إن الخفير كان يستمر عمله أحيانًا على مدار 24 ساعة متوصلة، أما الشرطة فينتهي دورها في مواعيد العمل الرسمية.

السياحة والسياح

وشهد المعبد إقبالًا كثيفًا من قِبل السياح من مختلف الجنسيات في الفترة ما بين 2000 إلى 2010، بمعدل 1000 إلى 2000 سائح يوميًا .

يقول عم محمد إن كثرة السياح بالمعبد آنذاك جعلت الشباب المصريين أكثر شغفًا لرؤية آثار بلاده، إلا أنه عقب الثورة تغير كل شيء وفقد المعبد السياح الأجانب والزوار المصريين أيضًا .

ويضيف أن أكثر الجنسيات حبًا للآثار المصرية هي الفرنسية والألمان، ويأتي السياح من جميع أنحاء العالم لرؤية آثار بلادنا والتعرف عليها عن قرب، فالمصريون القدماء تركوا لنا كنوزًا لا تقدر بثمن، ومهما طالت الدراسة ومحاولة التعلم في هذا المجال لن نستطيع الوصول إلى ما وصلوا إليه .

أما السياح العرب، فأكثر الجنسيات زيارة للمعبد يأتون من دول الكويت، والسعودية، وقطر، والخليج العرب بشكل عام .

وعن زيارة السياح الإسرائيليين يقول: عندما نعلم أن هناك زائر إسرائيلي في المعبد نظل على حذر دائم “عنينا تبقى في نص راسنا”، لأن زيارة السياح الإسرائيليين غالبًا تكون لأهداف، كما أنهم يأتون وسط أفواج سياحية من جنسيات أخرى، ونعرفهم من لغتهم العبرية أثناء أحاديثهم الجانبية، ومن ثم نبلغ الشرطة، ليكونوا على علم.

لقاءات المسؤولين

التقى عم محمد بالعديد من المحافظين والوزراء والسفراء المصريين والأجانب، منهم اللواء عادل لبيب، أثناء توليه منصب محافظ قنا، وسفراء دول أمريكا، وفرنسا، وإيطاليا، الكونغو، بالإضافة لبعض الوزراء المصريين .

وحصل على شهادة تقدير من رؤساء تحرير المصري اليوم والأخبار وجامعة جنوب الوادي منذ 12 عامًا، تقديرًا له ولجهوده وإتقانه وتفانيه في عمله بالمعبد.

اللغات

ورغم أنه لا يجيد كتابة سوى اسمه، إلا أنه يتحدث اللغات الفرنسية والإنجليزية والقليل من الألمانية ويفهم الإيطالية، وذلك من خلال عمله بالمناطق الأثرية المختلفة والمعبد .

وعن عمله الذي استمر لسنوات مع الفرنسين، يقول  تعلمت منهم الكثير، فالأمانة والنظام والبساطة والاحترام هم أساس تعاملهم، واصفًا المصريين بأنهم أذكى الجنسيات، ولكن ينقصنا العلم والنظام .

تطور المعبد

وعلى مر السنوات تطور المعبد كثيرًا، حيث خضع للترميم من أجل إظهار ألوانه الطبيعية، وتنظيف الحشائش الخارجية ونبات العاقول به، وتركيب إضاءة له وغيره .

ووصف عم محمد السور المحيط بالمعبد، والذي أنشئ في السنوات القليلة الماضية، لحماية المعبد والسياح من الهجمات الإرهابية، بـ”السجن المفتوح”، إذ منع الأهالي من استقبال السياح والدخول والخروج من المعبد.

آثارنا ليست للبيع

“بلدنا متتباعش، بلدنا كل يوم بتزيد” هكذا يخاطب شيخ الخفر المصريين الذين يحاولون سرقة وبيع الآثار، متابعًا لا يعرف قيمة ومعنى الآثار إلا من يعمل بها، كما أن المال غير دائم، إنما معابدنا هي الدائمة والتي نستطيع من خلال ثقافتنا وحسن المعاملة والتفاهم أن نجذب السياح  إليها مرة أخرى.

ويحث عم محمد الشباب المصري على حب الآثار والسياحة للخير الذي يعود منها على بلادنا، ولإثبات أن ثقافتنا مثل ثقافة الحضارة المصرية القديمة لم تتأثر بمرور آلاف السنوات عليها، خاصة أن بعض الدول الأجنبية تدعي سوء معاملة رعاياها عند زيارتهم السياحية لمصر، بينما الصعيد يعتمد بشكل كبير على السياحة، وهي مصدر رزق للكثيرين.

الوسوم