ولاد البلد

قصة شاب رفض الرفاهية.. محمود يحول الأثاث القديم لتحف فنية

قصة شاب رفض الرفاهية.. محمود يحول الأثاث القديم لتحف فنية

ما بين طفل مدلل تطلع للعمل رغم عدم حاجته إلى ذلك، وشاب تنقل بين العديد من المهن لشغفه بقيمة العمل بغض النظر عن ماهيته، وطالب متفوق وصل إلى مرحلة الجامعة، ومسؤول عن أسرته وأسر أشقائه، وأخيرا فنان مبدع طور مهنة تقليدية لتصبح فنا على يده يتحاكى الجميع بإبداعاته؛ قدم محمود سيد، من قنا نموذجا حقيقيا للشاب المصري في رحلة عمرها 26 عاما صنع خلالها العديد من النجاحات ليصبح قدوة لجيل كامل واستحق أن يتناقل الجميع تجربته عن جدارة.

بدأ محمود تجربته مبكرا جدا، عندما كان في الصف الخامس الابتدائي، فحينها كان يساعد والده في المعرض عندما كان يعمل على الآلات المختلفة بالورشة، ليناوله الأدوات، وفي نهاية كل يوم كان يمنحه جنيها مصريا، تقديرا لمجهوده معه، ومن هنا أحب محمود مجال العمل الذي ورثه عن والده.

استمر دور محمود في الاكتفاء بمساعدة والده، لكن هذا لم يعجبه فقرر أن يطور من دوره.

وعن هذا يقول، “مسكت صاروخ تقطيع الخشب وأنا في إعدادي من ورا أبويا، وكان ممكن يقطع إيدي أو يعورني، بس كنت براقبه وهو بيستخدمه، وعرفت الطريقة اللي بيمسكه بيها من ملاحظتي له، لأنه رفض إني أشتغل وأنا صغير، وأصريت أتعلم بنفسي، لكن والدي غضب مني، وضربني من خوفه عليا، وقولتله لو علمتني من الأول مكنتش عملت دا”.

التمرد من أجل العمل

ويمضي الوقت لتتمكن رغبة العمل من محمود أكثر وأكثر، وفي المقابل يرفض والده فكرة عمله، خاصة وأنه لم يقصٌر معه في الأمور المادية، ليقرر محمود البحث عن عمل آخر بعيدا عن والده.

عمل الشاب الصغير في مهن عديدة دون أن ينظر لماهيتها، فهو فقط يريد أن يعمل، فعمل في البناء والحديد المسلح، وسمكري، وكهربائي، بالإضافة إلى عمله في القرى السياحية، فضلا عن جنايته لمحاصيل المانجو والبرتقال في الإسماعيلية، كما عمل مندوب توصيل من قنا للقاهرة.

محمود سيد، صاحب معرض موبيليا
محمود سيد، صاحب معارض موبيليا

وهكذا استمر في العمل الدؤوب، لكنه في النهاية لم يجد نفسه في أي من هذه المجالات، ليعود إلى هوايته المفضلة وهي العمل في النجارة مرة أخرى حينما كان في الفرقة الأولى بكلية الحقوق بجامعة جنوب الوادي، خاصة بعد وفاة والده، عندما وجد نفسه مسؤولا عن والدته التي تعاني من صعوبة في الحركة لكبر سنها، وزوجات أشقائه وأبنائهم، لحكم عملهم في الخارج.

العودة للنجارة

اخيرا عاد محمود إلى النجارة، عشقه الأول والأخير، استسلم معرض والده، الذي ساعده كثيرا حتى بعد وفاته، من خلال تركه الاسم والسمعة الحسنة خلال فترة الثلاثين عاما من عمله، وهكذا بدأ فصلا جديدا مع الإبداع.

بدأ محمود في تنمية مهاراته العملية وخبرته في هذا المجال من خلال أحد أقاربه بالإسماعيلية، الذي يمتلك معرضا للموبيليا، ليتعلم منه أصول المهنة، بالإضافة إلى مشاهدته العديد من الفيديوهات عن النجارة من خلال قنوات على “اليوتيوب”، سعيا منه للخروج عن التقليد، ليطور العمل في النجارة لما يتماشى مع تفكير الجيل الجديد.

وفي يوم طلب منه أحد الزبائن صنع باب لغرفة بمنزله، ولكنه لم يستطع شراء باب جديد يمكن أن يكلفه 1000 جنيه على أقل تقدير بالتركيب، من هنا خطرت له فكرة استخدام شيش شرفة قديم لديه لا جدوى منه، لتحويله إلى باب غرفه بتكلفة لا تتعدى 150 جنيها.

استمر محمود في تطوير مهنته، فعمل على إعادة تصنيع كل ما هو قديم وغير مستخدم، إلى أشياء مفيدة وجديدة بأقل تكلفة ممكنة، لتخفيف الأعباء المادية على زبائنه.

ومن ضمن إبداعاته، أن صنع من شيش الشرفة دولاب خزين لمطبخ، ومقعد و”كنبة”، بالإضافة إلى تحويل “الكنب البلدي” إلى ركنيات على الإطار الحديث بتكلفة قليلة مراعاة للظروف الاقتصادية للزبائن، متجها إلى عمل أنتيكات خشبية كصالون ومطابخ مصغرة بحجم كفة الأيد وغيرها، منها ما يحتفظ به لنفسه، اعتزازا بها، ومنه ما يبيعها حسب طلب الزبائن.

ولم يقتصر فقط على ذلك بل عمل في مجال تركيب الأبواب والشبابيك، خاصة وأن العمل في الموبيليا موسمي في شهور معينة من السنة وهي الشهور الصيفية تزامنا مع موسم الزواج، بالإضافة إلى عمل ديكورات حائط بإستخدام فروع الأشجار، بعد أن قرر جمع فروع تلك الأشجار بعد التخلص منها بمقابل رمزي من العمال، مبتكرا أفكار بواسطتها، كحامل للدبل “وشبكة الذهب” بأسماء العروسين على فروع تلك الشجر، وغيرها.

وحين طلب منه أحد الزبائن تصميم شكل “مرعب” مختلف ليضعه كنوع من التميز في شقته، خطرت له فكرة تنفيذ مقعد خشبي على شكل “جمجمة”، وأخر على شكل عقرب، والذي استنبط فكرة تنفيذهم من خلال استماعه إلى رواية رعب على “اليوتيوب”.

أخيرا يحلم محمود أن يفتتح سلسلة من المعارض على مستوى محافظات مصر، تحوي كل تلك الأفكار للخروج عن التقليد، بالإضافة إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية على المواطنين.

الوسوم