متخصصون يفسرون 4 جرائم بشعة هزت قنا: تقاليد الصعيد في خطر

متخصصون يفسرون 4 جرائم بشعة هزت قنا: تقاليد الصعيد في خطر

بين مايو إلى سبتمبر الماضي، شهدت قنا عدة جرائم، لفتت انتباه كثيرين، رأوها أنها من الجرائم الحديثة على مجتمع  مثل قنا.

ومع أن الجريمة بشكل عام، قديمة للحد الذي يصعب وضعها في تاريخ محدد، فإنها ارتبطت بطبيعة المجتمع نفسه، ما يعني أن الجرائم تختلف باختلاف المجتمعات، مثلا في الصعيد تنتشر جرائم الثأر، لكنها لا تنتشر بنفس المستوى على الأقل في الوجه البحري، وهكذا.

في قنا، كان قتل الأطفال، والجرائم المتبوعة بالخيانة الزوجية، موضوعا غريبا على المجتمع، الذي يعيش في شكل قبائل وجماعات اجتماعية تحكمها عادات، وتقمعها تقاليد، لكن يبدو أن عُرى تلك الثوابت قد انفلت شيئا قليلا.

في مايو الماضي، اتهم 4 شباب بقرية الزوايدة بمركز نقادة على سرقة مصوغات سيدة أثناء وجودها بحظيرة ماشية، وهناك اعتدوا عليها خنقا حتى الموت، وعندما تصادف وجود طفل في محيط الجريمة، قتلوه هو الآخر، خشية افتضاح أمرهم.

جرائم جديدة على المجتمع

سألنا الدكتور سيد عوض، أستاذ علم اجتماع الجريمة بكلية الآداب جامعة جنوب الوادي، عن رأيه في تلك الجريمة، قال إن سبب تلك الجريمة هو الحاجة إلى المال، في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، لذا فإن المخطئ هنا هو السيدة لأنها تباهت بالذهب، في ظل وجود كثيرون يعانون الفقر.

ويوجه عوض نصيحته إلى المواطنين بعدم التباهي أو الخروج من المنزل بالمال أو الذهب إطلاقا، لعدم الملاحقة بالسرقة أو القتل من أصحاب النفوس الضعيفة.

أما عن رأي علم النفس، يرى الدكتور هشام عبد الحميد، أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة جنوب الوادي، أن تلك الجريمة، صورة جديدة ظهرت من الجرائم ولم نعتد عليها، إذ يشتهر الصعيد بالشهامة والرجولة والعمل، فكان الرجال يبحثون عن العمل داخل وطنهم أو خارجه حتى يوفرون قوتهم، ولا يلجؤون إلى قتل النساء لأجل السرقة.

الجريمة الثانية

في أغسطس الماضي، اتهمت ربة منزل وعشيقها، بقتل حماتها بعدما ضبطتهما في وضع مخل داخل المنزل، الضحية كانت مسنة، تبلغ من العمر 70 عاما، وتلقت 25 طعنة.

يرى عوض، أن هذا النوع من الخيانة والجرائم، سببه الصدمة الثقافية للمجتمع الصعيدي، إذ انفتح المجتمع فجأة على العالم من خلال الإنترنت، فأصبح يشاهد على الشاشات أمورا غريبة، ما فتح الباب للخيانة والقتل بدمٍ بارد، حتى وصل لمرحلة تطبيق ما يراه في الواقع دون النظر إلى الدين والعادات والتقاليد.

ويرى أستاذ علم النفس، أن الانفلات الأخلاقي وراء هذه الجريمة، وهذا النوع من الجرائم يمكن حدوثه في أي منطقة أو محافظة داخل مصر لكن من الصعب وقوعه في الصعيد، وحدث نتيجة للانفتاح الثقافي والدخول إلى عالم الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي تحديدًا، واتجاه العديد إلى المواقع الإباحية وتأثرهم الشديد بها.

الجريمة الثالثة

في سبتمبر الماضي، عثرت الأجهزة الأمنية على جثة شاب في العقد الثالث من العمر، ملقى في نهر النيل بمركز نقادة، وبعد التحريات، تبين أن المتهم في مقتل الشاب هي زوجته وعشيقها بمساعدة شقيق عشيقها، حيث كانت تربطهما علاقة آثمة وأرادت التخلص منه عن طريق السم وإلقاء جثته في نهر النيل بعد ربطها بالحجارة.

أما هذه الجريمة فهي مشابهة بشكل كبير للجريمة الثانية، ولكن هنا السبب في القتل هو رغبة الزوجة في العيش مع عشيقها، فصوت العاطفة تغلب على صوت العقل، والقتل خوفًا من الفضيحة، وهو أيضًا تصرف طبيعي في ظل الانفتاح الثقافي الذي يشهده المجتمع.

ويصف أستاذ علم النفس هذه الجريمة بـ “الشذوذ الفكري”، حيث إن أكبر كارثة فيها ـ من وجهة نظره ـ هي مساعدة شقيق لشقيقه في قتل زوج عشيقة شقيقه، فمن المعروف أن الأخ هو الذي يقف بجوار أخيه ويدفعه إلى فعل الصواب والابتعاد عن الخطأ، ولكن هنا الأخ على علم بعلاقة أخيه غير الشرعية بامرأة متزوجة وبدلا من أن يمنعه من ذلك، عالج الخطأ بخطأ آخر وهو قتل الزوج.

أما عن الخيانة، فإن الاختيار الخاطئ والزواج من أجل المتعة فقط وليس لتكوين أسرة، هما السببين الأساسيين في انتشار الخيانة.

الجريمة الرابعة

وفي نفس الشهر ـ سبتمبر ـ هزت أرجاء مدينة قنا جريمة بشعة، حيث قُتل طفل يبلغ مع العمر 11 عامًا على يد مراهق يبلغ 15 عاما، عندما حاول الأول  الدفاع عن نفسه ضد الثاني الذي كان  يحاول اغتصابه داخل عمارة يعمل بها والد المتهم بمنطقة السوق الفوقاني بمدينة قنا، وأثناء المقاومة هرب من ملاحقته وسقط من الطابق الخامس في المنور.

وعن هذه الجريمة، فسرها أستاذ اجتماع الجريمة، بأن اختلاف الطبقات الاجتماعية والمستوى الثقافي بين المجني عليه والمتهم وهيئة كلا منهما كانت السبب الأساسي في الجريمة، فالطفل المجني عليه هيئته كالملاك البريء وسيم الشكل والمتهم في هيئة شيطان، لذا حاول الأخير ممارسة العملية الجنسية مع الطفل وعندما رفض قتله.

وعن رأي علم النفس، قال إن الأسرة هي الأساس في تربية الأبناء، لذا فإن الأسرة هي المسؤولة عن كون ابنهم مرتكب الجريمة شاذ، فالبيئة الاجتماعية هي التي شكلت أخلاقه وسلوكياته، مثلما شكلت بيئة المجني عليه أخلاقه التي جعلته يدافع عن نفسه ضد هذا الاعتداء.

أسباب تغير شكل الجريمة

يقول عوض، إن الجريمة ظاهرة طبيعية، وهذه الجرائم ليست مستحدثة فهي تحدث في مصر منذ سنوات طويلة، مع العلم أن الخطأ فيمن يرتكب الجريمة، لذا فإن التربية والبيئة الاجتماعية هما الأساس، حيث يبدأ الأمر من الأسرة التي تلعب دورا كبيرا في ترسيخ القيم والعادات والتقاليد، فهي المؤسسة التربوية الأولى ومن ثَم تأتي المدرسة واختيارها بشكل صحيح، ثم الدين والعادات والتقاليد.

ويتابع ومن المؤثر أيضًا وسائل الاتصال الجماهيري (الإنترنت ـ الكتب ـ الجرائد ـ وسائل التواصل الاجتماعي…)، واختيار الأصدقاء من نفس المستوى الاجتماعي والثقافي، وكذا العوامل الاقتصادية وهي سبب رئيسي من أسباب ارتفاع معدل الجريمة بسبب الغلاء والتوتر الاقتصادي والفقر مع التدني الأخلاقي.

ويرى أستاذ علم النفس، أن الإدمان والإنترنت هما أكثر الأشياء خطورة في مجتمعاتنا، حيث إنهما السبب في التفكك الأسري، وابتعاد الشباب عن أسرهم، وقطع صلة الرحم، وارتفاع حالات الطلاق في مصر بسبب ما يُسمى بـ”البرود الاجتماعي” وفضح العلاقات الأسرية على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن التليفزيون وما يبثه من أفلام ومسلسلات تثير الغرائز وتساعد على انتشار إراقة الدماء والاتجار في المخدرات والتعاطي.

طرق علاج المجتمع

من الناحية الاجتماعية، لابد من ارتفاع مستوى الوعي واسترجاع الأخلاق لدى الأفراد من خلال برامج توعوية منظمة تقدمها قصور الثقافة والإعلام والخُطب الدينية بالمساجد؛ فالخطب يجب أن تكون موضوعاتها على حسب المشكلات التي يعاني منها المجتمع الإقليمي لذا يٌفضل عدم توحيد الخُطب، وفي النهاية فالإنسان أداة للمجتمع ويعبر عنها.

أما من ناحية علم النفس، فلابد من العودة للدين ودراسته من جميع النواحي، وكذا التربية السليمة لأبنائنا بالمنزل والمدرسة، بالإضافة لضرورة عمل لقاءات حوارية في الإعلام مع علماء النفس لتوعية الناس بالمخاطر التي توجد بمجتمعاتهم، ومواجهة أنفسنا بالعودة للدين والعلم.

الوسوم