شهد مفهوم وظائف الدولة تحولا جديدا، في المرحلة الراهنة، كنتيجة مباشرة لسياسات العولمة والليبرالية الجديدة. وفي الدول العربية قد كان لاندلاع سلسلة الانتفاضات الشعبية وثورات “الربيع العربي” التي شهدتها المنطقة العربية، وهي الثورات التي رفعت شعارات المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية أكبر الأثر في تنامي الاهتمام بإعادة تعريف دور الدولة.

وقد أثبتت خبرات الثورات العربية الأثر السلبي لانسحاب الدولة من المجال الاقتصادي لصالح الطبقات الرأسمالية الجديدة، وقد عبر عن هذا التحول في وظائف الدولة، إعادة الاعتبار لدور الدولة في الاقتصاد كما في السياسة، خاصة فيما يتعلق بتنظيم السوق، وتوفير الخدمات الاجتماعية، حيث بدأ مفهوم السوق الحر البعيد عن تدخل الدولة في الأفول والتراجع لصالح النموذج الكينزي القائم على الدور التدخلي الرقابي والتنظيمي للدولة.

وفي هذا الإطار، هناك إعادة لتأكيد دور الدولة على مستويين رئيسيين، يتمثل المستوى الأول في الدور الإرشادي والرقابي للدولة في الاقتصاد القومي، أي حق الدولة في التدخل لضبط ومراقبة الأنشطة الرأسمالية، والتأكد من أنها لا تعمل لصالح فئة محدودة على حساب المصلحة العامة، كما برهنت على ذلك الأزمة العالمية.

ويتعلق المستوى الثاني بالعودة إلى تأكيد سيادة الدولة القومية على مواردها، ونقصد بذلك التخلي عن فكرة تفكيك الدولة القومية، والحد من سيادتها، وبالتالي عدم تدخل الدول الكبرى في شئونها تحت دعاوى التدخل الإنساني.

وفي إطار الاهتمام بإعادة تعريف دور الدولة والدعوة إلى التمكين المتبادل بين الدولة والمجتمع فإن تفعيل الحوكمة لن يتحقق إلا من خلال تدعيم ونشر ثقافة المشاركة في ظل توسيع المجال العام اللازم لذلك، فلا يمكن تحقيق التحول نحو الحكم الجيد بمجرد التطوير القانوني أو الإداري، وإنما من الضروري دور مؤثر للمجتمع يستند للخصوصية الثقافية، وتبني مفاهيم وتطبيقات الحكومة المنفتحة Open Government، ومن هنا تتضح أهمية التنمية السياسية والمشاركة باعتبارها البيئة الداعمة لتفعيل الحوكمة أو الحكم الجيد.

تعتبر المشاركة قناة للمعلومات بين الحكومة والمواطن، بمعنى أنها عملية تبادل بين الاتجاهين تزيد في ظل التنمية السياسية، وقد أثبتت الدراسات أن البلدان التي تتمتع بحريات سياسية واسعة، مع استبعاد أثر المتغيرات الأخرى، قد حققت أداء أفضل في توفير الخدمات الأساسية والحد من تضارب المصالح. كما أشارت دراسات حديثة أخرى أن البلدان التي تتمتع بمعدلات نمو اقتصادية عالية وقعت فيها أحداث من الاحتجاجات والتظاهرات أكثر مما وقع في البلدان ذات المعدلات المنخفضة، حيث أن البلدان ذات الحريات المدنية المحدودة لا تعبر إلا بقدر ضئيل عن سخطها الاجتماعي، في حين أن هذا التعبير يتم بدرجة أكبر كثيرا فى البلدان التي تتمتع بحريات مدنية أوسع، أي أن البلدان التي يتم فيها قمع كل أساليب التعبير عن الاستياء، تعاني أداء أسوأ في مشروعاتها الاستثمارية، مقارنة بتلك التي تسمح بمثل هذه المظاهر.

جميع ما سبق يؤكد إجمالاً على؛ ضرورة أن تقوم الدولة بتشجيع المبادرات الفردية والتعاونيات في الخدمات والسلع، وضرورة اعتماد الحكومة لمبدأ المشاركة مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، في تحديد احتياجات التنمية وآليات تحقيقها، بما يساهم فى الموائمة بين دور الدولة والعمل على تعزيز قدراتها المؤسسية بما يمكنها من الوفاء بوظائفها في التنظيم وإعادة الضبط في حال ظهور اختلالات الأوضاع الاقتصادية، وتوفير متطلبات التنمية، وبرامج مكافحة أسباب الفقر، واعتماد سياسات نقدية ومالية واقتصادية تكفل تحقيق معدلات نمو قابلة للاستمرار، وتوجيه الدولة لإدارتها العامة والمحلية لتفعيل إجراءات الشفافية والنزاهة، وتفعيل مبادئ إدارة الأعمال من حيث احترام المستفيد من الخدمة (المواطن) ومواكبة التطبيقات التكنولوجية الحديثة، مع تعزيز الخضوع للمساءلة، وذلك من خلال نظم تعزيز دور القضاء ومجلس النواب والأجهزة الرقابية.