دعنا نلقي نظرة على التلفاز، إنهم يتحدثون عن العديد من الإصابات بفعل السيول، لا عليك من التلفاز، لعل الحل في مواقع التواصل الاجتماعي، ماذا؟ يتحدثون كذلك عن ضحايا السيول؟ والعديد من الأخبار التي لا تبشّر بالخير أبدًا! يكفي هذا القدر من الأحداث المأساوية، لم أعد قادرًا على تحمل المزيد.

لماذا لا ننزل إلى الشارع؟ يبدو اختيارًا رائعًا في هذه الأجواء، ماذا تقول؟ الخروج ليس آمنًا، وقرار السفر هو قرار الموت! نعم نعم، أفهمك جيدًا حول خطورة الحال بسبب السيول. إذًا فلا بديل عن البقاء في المنزل، الاستماع إلى النصائح، والاكتفاء بالدعاء إلى الله لكي تمر هذه الفترة على خير.

بالطبع الحوار السابق هو حوار تخيلي، لكن ما جاء فيه صحيح تمامًا، العديد من الإصابات والضحايا نتيجةً للسيول. ليس شيئًا معتادًا هنا في محافظة قنا أن يحدث ذلك، ونحن الذي نتمنى طوال الشتاء لو تحن السماء علينا ببعض النقاط القليلة من الأمطار. لكن المشاكل التي تصنعها الأمطار هي مشاكل معتادة في مصر، الإسكندرية على سبيل المثال تعاني من الأضرار كل عام، ولا حياة لمن تنادي.

أين المشكلة؟

لا أعرف إن كان الحديث عن البنية التحتية المتهالكة سيكون حديثًا ذا جدوى أو لا، لكن أردنا الاعتراف بذلك أو لا، فهي بنية متهالكة حقًا.

بداية كل شتاء، تدوي الصرخات وطلبات الاستنجاد بالمسئولين لحل هذه الكارثة، ولا أحد يتحرك، جميعنا نعرف أن أغلب الحلول التي يتم اللجوء إليها هي حلول مؤقتة، مسكنات تهدّأ الألم، لكنها لا تقضي عليه، ونعرف أن الألم سوف يعود من جديد قويًا! ووقتها سوف نبحث عن مسكن أقوى، وتدور الدائرة دون توقف.

المسكنات مطلوبة للتعامل مع الموقف، لكن الاعتماد عليها وحدها ليس حلًا على الإطلاق، بل في أوقاتٍ عدة يعتبر تهربًا من البحث عن الحل النهائي للمشكلة، والتي تتفاقم كل عامٍ تاركةً ورائها مشكلات أكبر، وكوارث يدفع ثمنها الأبرياء.

فما حدث معنا في محافظة قنا البارحة، يحدث مع العديد من المحافظات بشكل مستمر، وإنني أتخيل لو أننا نحيا مثل هذه المحافظات! أتخيل لو أن ما حدث البارحة هو الشيء المعتاد بالنسبة إلينا، وأشعر بالخوف الشديد من الفقد والوجع، وأدرك أن كل مسكنات العالم لن تكون كافية لمنع هذا الوجع.

أين الحل؟

مثلما تساءلنا عن المشكلة، يجب علينا كذلك محاولة الوصول إلى حل.

في رأيي أن الخطوة الأولى للحل تتمثل في التعامل مع الموقف على قدر خطورته الحقيقية، والاعتراف بأن المشكلة كبيرة ولا يجب إهمالها.

فنحن نعاني من مشكلةٍ دائمة، وهي أننا لا نتذكر المشكلة إلا في وقت الخطر، أما إن ذهبت بعيدًا عنّا قررنا عدم التفكير بها حتى لا تتعبنا، أو تكلفنا عناء البحث عن حلٍ، فنقف في أماكننا وندعو الله فقط ألا تحدث المشكلة من جديد في العام المقبل، فإن أتت يرجع شعور الخطر إلينا مرة أخرى!

على المسئولين التفكير في إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، فنحن لا نتحدث عن أزمة مؤقتة، أو حتى نتحدث عن شيءٍ يمكن لنا التعايش معه، بل إننا نتكلم عن مأساة مستمرة تجعل من الحياة كابوسًا لا يُطاق في بعض الأحيان.

مهما كانت التكلفة فإن الأمر يستحق تمامًا أن نراجع أفكارنا حول بنيتنا التحتية، وأن تكون هناك قرارات واضحة حول إعادة هيكلة هذه البنية، تعبنا من الحديث حول هذه المشكلة، والبكاء حول ما نفقده كل عامٍ بفعل هذه الكارثة، فهل من أمل أن يستجيب لنا أحدهم في يوم من الأيام؟ ندعو الله أن يحدث ذلك قريبًا.