أقول لنفسي دائمًا: لماذا نحن هنا؟ لا، هذا ليس سؤالًا يدور في ذهني ليلًا في واحدة من ليالي الـ”أوفر ثينكنج” المعتادة، لكنه سؤالًا يطرح نفسه لأنني أبحث عن الإجابة، أحاول معرفة الدور الذي يمكنني أن أؤديه في الحياة.

يقول الله في القرآن: “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” فيتأكد لي أننا ما وُجدنا هنا عبثًا، بل لكل منّا حكمة من وجوده، ربما هي حكمة شخصية بالكامل، فلا يتشابه أحدنا مع الآخر، لكنّه في النهاية وُجد هنا من أجل غرضٍ يؤديه.

ربما يكون دوره سلبيًا في الحياة، لا يفعل أي شيء، وربما يحاول دائمًا؛ بحثًا عن كيف يكون دوره إيجابيًا لمساعدة غيره، فيمارس الرسالة التي خلقه الله من أجلها.

لذلك أشعر بالسعادة الشديدة كلّما رأيت أحدهم يمضي في الطريق الصحيح، يبحث ويسعى ويؤمن بما يفعل، لا يعبأ بأي شيءٍ سوى المحاولة المستمرة، والتعلّم لعله ينجح في هدفه.

أشعر بأن واجبي أن أكون هناك معاهم، أقول للعالم بأنّهم موجودين، يحاولون صناعة التغيير الحقيقي في حياة الآخرين، وعلى رأس هؤلاء أذكر اليوم تحديدًا أصدقائي في “الجمعية العلمية لطلاب طب قنا”.

على عكس الصورة النمطية المعروفة عن طلّاب الطب، وأنّهم مجموعة من الطلّاب الذين لا يفعلون شيئًا في حياتهم سوى المذاكرة، يحاول الشباب في الجمعية مساعدة غيرهم، يؤمنون بأنّ في مهنتهم رسالة حقيقية يجب تأديتها، فيفعلون ذلك منذ الآن، سواءً مع أصدقائهم الموجودين في الكليّة، أو حتى مع العالم الخارجي.

مثل هذه الجمعيات تساهم في مساعدة طلّابها بصورة رائعة، فبدلًا من أن يقضي طالب الطب حياته في الكليّة في جانب واحد فقط، فإنّه يتعلّم العديد من الأشياء التي يمكنه الاستفادة منها في حياته العملية لاحقًا، وهو شيء يقدم إضافة حقيقية للشخص، ربما لا يشعر بأهميتها إلّا في المستقبل عندما يخرج إلى الواقع.

تجد في هيكلتهم تقسيمًا للجان عدّة، في كل لجنة مجموعة من الاهتمامات التي تصنع فارقًا في حياة الجميع، سواءً كانت مواضيع شائكة يصعب الحديث عنها، أو حتى يمتد الأمر ليشمل أبسط الأمور.

في العام الماضي مثلًا قام الأصدقاء في الجمعية بعمل حملة أونلاين على فيسبوك عن الإسعافات الأولية، مع تبسيط شديد لما يمكن أن يفعله أي شخص في العديد من الحالات، وهو أمر لو تعلمون عظيم، لأهمية هذه المساعدات البسيطة في إنقاذ حياة العديد من الأفراد.

وهذا العام هناك العديد من الفاعليات التي يتم تنفيذها للتوعية بكيفية التعامل مع العديد من الأمراض، ليس فقط على المستوى الطبي، ولكن على المستوى النفسي أيضًا، في محاولة للتركيز على كيفية تقديم حلول وخطوات عملية يمكن تنفيذها في الواقع، بدلًا من الحديث فقط.

أخذت على عاتقي منذ فترة ألّا أتحدث إلّا عن الأشياء الطيبة، مع تسليط الضوء والتركيز عليها، والتأكيد على أنّ الشباب في محافظتنا يمكنهم صناعة الفارق، لذلك فهذا المقال الثاني لي على التوالي الذي يتحدث عن تجربة شبابية قوية في قنا، لأنّهم يجعلون حياتنا أفضل، حتى دون أن ندري ذلك، ولأن ببساطة محاولاتهم هذه تقول أن الحياة ما زالت بخير، وأننا نؤمن بأن التغيير يبدأ من داخلنا، من خطواتنا البسيطة التي نقوم بها، لذلك أشكرهم كثيرًا على كل شيء.