على مدار التاريخ ارتبط التعليم بالفكر التنموي والرقي، فعند اليونانيون ارتبط بالأرستقراطية، وأبناء الملوك والأمراء، وفي العصور الوسطى وفي الدولة الاسلامية كان للتعليم دوره البارز من أجل نهضة الأمة الإسلامية ونشر الإسلام عن طريق الدعوة، لا السيف، كما إدعى البعض، ولم تكن هناك أمه في التاريخ أرادت التقدم والرقى إلا واهتمت بتعليم أبناءها.. فوضعت له النظم التي تضمن به ارتقاء الفكر الذي يحقق النماء ويبني الحضارات.. فلم يبنى الفرسان الحضارات، بل بناها الفكر الذي تلقى العلم على يد معلميه.

وغاية القول أن العملية التعليمية في حد ذاتها وسيلة وليست غاية، وسيلة ليصل بها المتعلم كيف يفكر؟ وكيف يستطيع أن يتغلب على المشكلات بايجاد حلول لها؟ وكيف يفكر ليحقق التنمية والرخاء؟ والمعلمون هم من يقومون بتعليم المتعلمون بوسائل مختلفة يبتكرونها من أجل الوصول إلى الغاية الحقيقية وهي اكتساب مهارات التفكير والابداع والقدره على حل المشكلات.. والمتتبع لعملية التعليم الآن يجده تحصيل مجموعة من المعلومات بهدف اسقاطها على الأوراق، وتنتهى بعدها الصله بينها وبين من تلقاها وحفظها، وما يؤكد ذلك أسئلة الاختبارات في نهاية العام الدراسي، فهي تقيس قدرة المتعلم على حفظ النقاط والخطوات، وكان الأجدر أن تقيس قدرة المتعلم على التفكير الجيد والسلوك المحمود والقدرة على حل المشكلات وايجاد الحلول.

والقول هنا يقصد به أن المتعلمين في العملية التعليمية تنقطع صلتهم بما تعلموه بمجرد اختبارهم فيه.. فلا مخطط استراتيجي يحدد الهدف من كل مرحلة تعليمية، وليس هناك منهج تعليمي يشير إلى مهارات تكتسب منه بهدف الابداع وإنتاج النماذج الابتكارية.. والمعلم لم يعد له دور في تخطيط أو تعديل منهج دراسي أو توصية تعليمية أو تربوية من خلال الاحتكاك المباشر بالمتعلم..

والمتتبع للعملية التعليمية يجد أن هناك ملايين الجنيهات تنفق في غير هدف معلوم بسبب انعدام الرؤية وفقدان الرسالة.. وعن البحث العلمي التربوي نجد أنه ليس هناك رابط بين ما يتوصل إليه البحث العلمي سواء في الجامعات أو مراكز البحث، وبين مؤسسات التعليم فكل منهم يعمل في جزر معزولة بالرغم أن البحث العلمي ونتائجه من أجل تطوير وحل مشكلات هذه المنظومة وهذه المؤسسة التعليمية، فلابد من إيجاد مسائل تربط بين مراكز البحث والمؤسسات من أجل الاستفاده والوقوف على الحلول والبدائل.. فالتعليم سواء في المدارس أو الجامعات يحتاج إلى استراتيجية واضحة المعالم، هل نحن نريد أن نعلم من أجل التعليم؟! أم نحن نسعى للتعليم من أجل الابداع والابتكار والتطوير؟! فإذا كانت المسألة معلومات تحصيلية يحفظها الطالب للاختبار وبعدها ينفصل عنها، فنحن إذاً لا حاجة لنا بها، أما تنمية الفكر وتزويد العقل واكسابه المهارات المتنوعة بجانب الوجدان هما الهدف الذي يجب أن يخطط له تعليميا وتربويا.

كاتب المقال .. استشاري الإعلام والتوعية