” واحد وعشرون “

” واحد وعشرون “

قصة – زينب سعيد

يوم شديد الحرارة من شهر أغسطس،  وقت الظهيرة عندما ترى أن العبوس قد سكن ملامح جميع المارة، بينما الشمس قد اقتربت من رؤوسهم، وكأنها تربت على أكتافهم، وقد صار المكان قطعة من الجحيم،  و إمراة فى نهاية العقد الثالث من عمرها تهرول نحو البنك لتحتمى به من أشعة الشمس الحارقة، وتحصل على راتبها، فاليوم هو بداية الشهر الجديد .

وهناك فى الخط الفاصل بين الداخل والخارج، تلفح وجهها نسمات من الهواء البارد، وكأنها تكفر عن جميع ذنوبها، وقد آن الآوان ليسمحوا لها بالولوج إلى الجنة،  وقد أفاقت من ذلك الشعور الرائع على ازدحام شديد فى البنك، فاستسلمت لأمرها، وارتمت على أحد الكراسي القريبة من الشباك الخاص بالرواتب مضطرة، فهذا هو اليوم الأخير للعمل بجميع المصالح الحكومية قبيل العيد، وشردت تفكر فى هذا الصف المتلاحم من البشر الذى أوشك أن يصبح جسدا واحدا ضخما لا نهاية له، بينما تأمل-هي- فى انفراجة بسيطة تستطيع أن تقتحم بها الصف، وتخلق لنفسها حيزا خاصا،  وقد استرعى انتباهها رجلا يقف فى نهاية الصف على استحياء، يكاد أن يكون فى بداية العقد الخامس من عمره، لكن الزمن قد خط ملامحه على وجهه بوحشية، فتظنه أكبر سناً ،  وقد بليت ملابسه إلى حد كبير، فلا تستطيع أن تعرف إن كان قد ارتدها عشرات المرات أم مئات المرات ؟ وقد بدا على وجهه الارتباك، وكان منكس الرأس يخشى التدافع كما يفعل غيره،  والشاب الذى يتقدمه لم يزعج نفسه بإن يمنحه دوره ليريحه من عذابه قليلاً،  أما هو فالخنوع والخجل أغلقا فاهه ونصبا أنفسهم حراسا عليه حتى لا يجرؤ على الكلام. وأخيرا حدث ما تنتظره منذ فترة طويلة، فاتجهت إلى الشباك، وصنعت صفا آخر للسيدات مكون منها هى فقط، وفى تلك اللحظة كان قد حان دور الرجل، فتركته يتقدم عليها،  راقبته وهو يمد يده بورقة ما لموظف البنك، وبادله الموظف بإيصال مشيرا بصوت مرتفع لقيمة الإيصال ( واحد وعشرون جنيهاً )، اخترق صوت الموظف أذنيها، وعلى الرغم من هذا شكت فى سلامتهما، فلا يمكن أن يكون هذا الرجل عانى كل هذا الجهد من أجل هذا المبلغ الذى تصرفه هى على صغيرتها فى يوم واحد… !!

لكن الأمر تحول إلى يقين عندما رأت الرجل يتسلم نقوده فى استكانة، وكأنه يتلقى احساناً، ثم رحل بهدوء ..!!

تركها وحدها فى حالة تشبه الشلل التام، فقد توقف جسدها عن العمل لمدة دقيقة أو دقيقتان على الأكثر، وما أيقظها من غيبوبتها إحساسها المفاجئ بالحر الشديد، وكأن أشعة الشمس أقسمت ألا تمس الرجل، فتسللت إلى الداخل لتنثر بعض من محبتها على من يستحقونها، ولم يفلح مكيف الهواء فى مواجهتها .

تقدمت بطريقة شبه آلية، وتسلمت راتبها، ثم توجهت بعد ذلك إلى أقرب كرسي، وألقت بنفسها عليه، لتلتقط أنفاسها، وتهدأ من روع قلبها .

كانت الأفكار تتوالد بسرعة غريبة فى رأسها حتى ضاقت بها، ولم تجد لها متسعا،  بينما تساؤل واحد يسيطر عليها، ويحاصرها فى جميع الأركان، ويكاد أن يخنقها، ترى هل من الممكن أن يكون هذا المبلغ هو ما يمتلكه طوال الشهر ؟!

جزعت-هي- لمجرد التفكير في هذا الأمر، فكيف يكون الحال بالنسبة للرجل المسكين؟!!

قررت الهروب من هذا المكان أملا فى أن تتساقط تلك الأفكار، وتتخلص منها، فهرعت إلى الشارع، وأستنشقت بعض الهواء، لكن تلك الأفكار الماكرة رفضت أن تفارقها، وانتشرت حتى فى الهواء الذى تتنفسه فأين المفر ؟!

رحل الرجل، وتركها تتخبط بين أسئلة تخشى من إجاباتها المحتملة، تريد فقط أن تريح قلبها، و الذى لا ذنب له سوى أنه مازال ينبض كبقية البشر، أو هكذا ظنت.!

تشعر بالارتباك والحيرة لا تدرى ماذا تفعل ؟

بحثت فى حقبيتها عن هاتفها، ترغب فى التواصل مع أى شخص تشاركه عبئها لتهدأ قليلاً،  لكن هيهات، لا أحد يرد على اتصالها كالعادة فى مثل هذا التوقيت.

ثقل جسدها، وأصبحت تتنفس بصعوبة، وتسير فى الشوارع على غير هدى، تبحث عن حل لأزمتها،  ثم صادفت فى طريقها إمرأة، لم تلتفت إليها جيدا،ً و كل ما لاحظته أنها تطلب الصدقة من المارة، فلم تلقي لها بالا،ً وأكملت طريقها، وفجأة توقفت، وعادت للوراء، ثم اتجهت إلى المرأة، ومنحتها بعض المال، واستطاعت أخيراً أن تتنفس جيدا، وانزاح ذلك الوحش الجاثم على صدرها،  فانطلقت فى طريقها مسرعة، وهى تخشى أن تنظر إلى الوراء مرة أخرى.

الوسوم