ولاد البلد

يواجهنا جميعًا شبح المركزية، حينما نسعى للحصول على العديد من الخدمات، نواجه واقعًا يخبرنا بأننا لن نحصل على كل ما نريد، بسبب بعدنا عن المركزيّة المتمثلة في العاصمة.

كانت ولا تزال هذه المشكلة تؤرق العديد منّا، لا سيما وأنه لا يمكننا الاستغناء عن جميع الخدمات، أو حتى استبدالها بأخرى. وإن وُجدت البدائل المؤقتة، فهي مسكنات لا أكثر، والمشكلة الأصلية ما زالت موجودة طوال الوقت.

الحق أن قاريء مقالي هذا سوف يظن أنني أميل إلى الشكوى، ولكنني لا أعترف بها، بل إنني أؤمن بضرورة البحث عن الحلول دائمًا، والسعي لإيجاد بدائل حقيقية، بدائل تستحق المحاولة من الجميع.

لنحضر المركزيّة إلى هنا!

تخيل معي مجموعة من الأشخاص يجلسون في مقهى للحديث عن مشكلة المركزيّة، يطرح أحدهم تساؤلًا مهمومًا حول إمكانية التعامل مع مسألة المركزيّة. يجيب أحدهم منتحلًا شخصية محمد سعد في أحد أفلامه: نحن لن نذهب إلى المركزيّة، المركزيّة هي من سوف تحضر إلينا هنا. لينظر إليه بقية الأشخاص عاجزين عن فهمه، فهم جميعًا توقعوا أن تكون الإجابة غير ذلك، توقعوا الحديث عن البدائل المعتادة، لكن يبدو لهم حديث صاحبهم هذا بعيد كل البعد عن الصواب.

يكمل هو حديثه متحمسًا لفكرته: المشكلة دائمًا أننا نفكر في علاج المركزيّة من هناك، نقرّب المسافات بيننا وبينها، وهذا ليس الطريق الوحيد للحل. هناك طريق آخر في رأيي، وهو أن نجعل الأمر معكوسًا، نصنع مركزيّة موازيّة من هنا، تكون هي المصدر الأساسي لكل شيء، وندعهم هم يتساءلون عن كيفية التعامل معنا، ومحاولة إيجاد حلول للمشكلة. ثم يختم حديثه وقد التمعت عيناه شغفًا: وعندما نفعل ذلك، وقتها، سوف يلتفت إلينا الجميع، يبحثون عنّا وعن منتجنا، سوف نكون وجهتهم لا العكس.

معًا نهزم المركزيّة!

قد يبدو هذا الحديث – الخيالي في أشخاصه، الواقعي في محتواه– مشتملًا على بعض التساؤلات، نحاول الإجابة عليها هنا.

هل لدينا المنتج الذي يمكن تقديمه؟ نعم يوجد لدينا المنتج، الحق أن الباحث في حال محافظة قنا، سوف يجد أنه أصبح لدينا منتجاتنا التي يمكن أن نقدمها من الصعيد، لا في مجالٍ واحد، لكن في العديد من المجالات.

ما الذي يحتاج إليه الأمر؟ في رأيي الأمر يحتاج إلى قدر من الشجاعة لاتّخاذ قرار أن يكون الشيء مركزه هنا، والتعاون بين الموجودين في المحافظة لدعم هذه الشجاعة، وإتاحة الفرصة لها للنجاح هنا.

هل سوف يؤدي ذلك إلى القضاء على المركزيّة؟ بالطبع لا توجد لدينا حلول مطلقة للمشكلة في الوقت الحالي، لكن على الأقل، نحن نسعى إلى المضيّ قدمًا نحو تقليلها والتعامل معها بالشكل الصحيح، وسنظل بالتأكيد في حاجة إلى المركزيّة في بعض الأشياء لكن عندما يكون لديك مركزيّتك الخاصة، وقتها أنت على طريقك الصحيح. سوف يصبح الأمر كأنه تعاونًا بين مركزيّتين، علاقة بين طرفين يملك كلاهما القدرة على تقديم منتجه. بالطبع يبدو هذا حلم في الوقت الحالي، لكنني أؤمن أنه يمكن لنا أن نهزم هذه المركزيّة على المدى البعيد، وهذا سوف يحدث فقط إن حدث التعاون بين الجميع، وأدعو الجميع أن نبدأ عامنا الجديد، ونحن نضع نصب أعيننا هذا الحلم، ونسعى سويًا لجعله حقيقيًا على أرض الواقع.